تابع قناة عكاظ على الواتساب
في عالم الطيران، هناك مشاهد لا تُنسى، لعلّ آخرها الفيديو الذي وثّق اصطدام طائرة كندية بعربة إطفاء في مطار لاغوارديا قبل يومين.. كانت اللحظة أحد تلك المواقف الثقيلة التي لا تمر، لحظة قصيرة، لكنها تختصر سلسلة طويلة من القرارات، والتفاصيل، والضغوط التي انتهت بموت الكابتن ومساعده.
عربات الإطفاء في المطارات ليست مركبات عادية، هي جزء من منظومة الاستجابة السريعة التي تقوم فلسفتها على استغلال كل ثانية ممكنة، وعندما تحصل على تصريح لعبور المدرج، تتحرك بسرعة، وبإحساس أن الوقت عامل حسم، في هذه الحادثة تحديداً كانت العربة تدخل المدرج بزاوية مائلة، وبسرعة مقبولة في سياق الطوارئ، زاوية التقاء الممر بالمدرج تقلّص مجال الرؤية، وتجعل تقدير المسافة والزمن أكثر صعوبة، إضافة إلى أن طاقم الإطفاء في مثل هذه اللحظات لا يتوقع وجود طائرة، ولا يرى بوضوح في بيئة ليلية تتداخل فيها الأضواء.
في المقابل، كان الطيار يقلّل التسارع حيث وصلت السرعة إلى 95 ميلاً في الساعة، وحتى هذه السرعة ليس فيها هامش للتصرف، والمفاجآت في هذه المرحلة تكاد تكون مستحيلة المعالجة؛ لأن المسافة تُطوى خلال ثوانٍ والخيارات تصبح محدودة.
المراقب الجوي أعطى تصريح عبور المدرج لعربة الإطفاء، ثم بعد قليل أدرك خطورة الموقف، وصرخ «قف، قف، قف»، لكن اللحظة سبقت الجميع.
كثير من التحليلات ذهبت مباشرة إلى تحميل المراقب الجوي المسؤولية، لكن النظر إلى الصورة الكاملة (كما هي العادة في عالم الطيران) يكشف أن ما حدث أكبر من خطأ فردي، فالمراقب كان يدير أكثر من موقف في وقت واحد، رحلة ألغت إقلاعها بسبب تحذير من الجليد، تنسيق عبور مركبة على المدرج، وإدارة هبوط طائرة قادمة بسرعة عالية، كل ذلك خلال نوبة ليلية، وفي بيئة عمل تعاني أصلاً من نقص مزمن في الكوادر.
حين يُطلب من شخص واحد أن يُمسك بكل هذه الخيوط في وقت واحد، فإن احتمالية الخطأ تكون متوقعة بشكل كبير، والحديث هنا ينبغي أن لا يكون حول كفاءة فرد، بل عن نظام يحمّل الفرد أكثر مما ينبغي.
إدارة الطيران الفيدرالية في الولايات المتحدة تعاني منذ سنوات من نقص واضح في عدد المراقبين الجويين، يُقدّر بنحو 3,000 مراقب. بين عامي 2010 و2024، انخفض عدد الموظفين بنسبة 13%، بينما ارتفع حجم الحركة الجوية بنسبة 10%، هذه الفجوة بين الطلب والقدرة التشغيلية تظهر مباشرة بصورة ضغط يومي على المراقبين.
الأرقام تكشف عمق المشكلة، أكثر من 40% من مرافق المراقبة، وعددها 290 منشأة، تعمل بأقل من طاقتها البشرية المطلوبة، وفي منطقة نيويورك، التي تُعد من أكثر الأجواء ازدحاماً في العالم، يعاني مركز TRACON من نقص مزمن، بينما يعمل مركز نيوارك بنسبة 59% فقط من العدد المطلوب، ومطار لاغوارديا يستقبل نحو 900 رحلة يومياً.
المشكلة لا تتوقف عند النقص، إنما تمتد إلى طريقة المعالجة، فعملية تأهيل المراقبين طويلة ومعقدة، وقد تصل إلى ست سنوات من التقديم حتى الحصول على الشهادة، نسبة القبول منخفضة جداً، حيث لا يكمل سوى 2% من المتقدمين، بينما تشهد أكاديمية أوكلاهوما نسبة تسرب تصل إلى 35%.
في إحدى الدورات، تم قبول أكثر من 1,500 متقدم، ولم يتخرج سوى نحو 160 مراقباً، وهو رقم لا يتناسب مع احتياج دولة بحجم الولايات المتحدة، أكاديمية واحدة لتخريج المراقبين لا تبدو كافية لتغطية حركة جوية تخدم مئات الملايين من المسافرين سنوياً، كذلك طول فترة التأهيل يطرح تساؤلات حول مرونة النظام وقدرته على التكيف مع النمو المتزايد في الحركة الجوية.
في ظل هذا النقص، لجأت الإدارة إلى فرض ساعات عمل إضافية إلزامية، وهو حل يبدو عملياً على الورق، لكنه يحمل تبعات خطيرة على أرض الواقع، يعمل المراقبون ستة أيام في الأسبوع، ويتنقلون بين مناوبات صباحية ومسائية وليلية، لذلك حذّر المجلس الوطني لسلامة النقل مراراً من أن الضغط التشغيلي يدفع نحو الاستمرار بارتكاب الأخطاء، مشيراً إلى أن العمل الإضافي قد يسد فراغاً مؤقتاً، لكنه في الحقيقة يراكم مخاطر مؤجلة.
أثناء الحادثة، قال المراقب لأحد الطيارين الذين شاهدوا الوضع «لقد أخطأت»!، كانت جملة ثقيلة وهي تحمل عبء اللحظة الكارثية. رد عليه الطيار: «لا يا رجل، لقد بذلت قصارى جهدك».
الحوار القصير جسّد جانباً إنسانياً يتوارى خلف التقارير والتحليلات.
في النهاية، المسألة لا تتعلق بخطأ فردي بقدر ما تتعلق بكيفية تصميم الأنظمة، حين تُبنى المنظومات على الحد الأدنى من الموارد، وتُدار تحت ضغط مستمر، فإن الخطأ يصبح مسألة وقت، وأرواح البشر لا تحتمل هذا النوع من المقايضات.
ضغط الموظفين لن يكون حلاً، بل بداية لمشكلة أكبر تنتظر لحظتها لتكون مشهداً لا يُنسى.
حفظ الله الجميع.
