
هناك العديد من اللاعبين الذين مرّوا بتجربة العقوبة الانضباطية (التأديبية) خلال مسيرتهم الكروية؛ بعضهم تعامل معها كمرحلة عابرة أعادته إلى الطريق الصحيح، وآخرون أثرت عليهم سلباً وخلّفت توتراً في علاقتهم بفرقهم ومدربيهم.
إذ لا تقتصر العقوبة على اللاعبين العاديين، بل تطال حتى النجوم الكبار مهما بلغت مكانتهم، ففي عالم كرة القدم، لم تعد الموهبة وحدها كافية لضمان مكان اللاعب داخل التشكيلة، فالعنصر الأهم الذي يفرض نفسه اليوم هو (الانضباط)، فمهما كانت علاقة المدرب بنجوم فريقه يجد نفسه أحياناً أمام قرارات صعبة تتعلق بفرض النظام واحترام ضوابط التدريب والحضور، حتى لو كلف ذلك إبعاد لاعب مؤثر عن المباريات، فالعقوبة الانضباطية أصبحت جزءاً من العمل اليومي داخل الأندية، ووسيلة للحفاظ على توازن الفريق واستقراره.
وحول مفهوم العقوبة الانضباطية وأنواعها، وتأثيرها على اللاعب نفسياً وفنياً وانعكاس غياب اللاعب عن المباريات على الفريق والجمهور، يقول الاستشاري النفسي المهتم بالشأن الرياضي الدكتور عبدالعزيز صالح لـ«عكاظ»: «تعتبر العقوبة الانضباطية إحدى أهم الأدوات التي يلجأ إليها مدربو الفرق للحفاظ على الانضباط والالتزام داخل المنظومة الرياضية، فمدرب الفريق يبقى مسؤولاً عن فرض النظام وضمان العدالة بين جميع عناصر الفريق، ومن أبرز العقوبات الانضباطية التي يطبقها المدربون على اللاعبين غير الملتزمين بضوابط التدريب أو مواعيد الحضور؛ الاستبعاد المؤقت من التشكيلة الأساسية، الإلزام بالتدريب الانفرادي، الغرامات المالية، أو حتى الإبعاد عن المباريات الرسمية، وتختلف شدة العقوبة باختلاف حجم المخالفة وتكرارها، وكذلك حسب سياسة النادي وشخصية المدرب».
وبيّن أن مفهوم العقوبة الانضباطية لا يعني الانتقام أو التقليل من شأن اللاعب، بل يهدف إلى تصحيح السلوك وإعادة اللاعب إلى المسار الصحيح، أما التدريب الانفرادي فيستخدم كوسيلة لإشعار اللاعب بعزله المؤقت عن المجموعة، وتحفيزه على استعادة انضباطه الفني والسلوكي، وهناك أنواع أخرى من العقوبات مثل الحرمان من شارة «الكبتنية»، أو تقليص دقائق اللعب، أو الاستبعاد من معسكرات الفريق.
وأشار إلى أن كرة القدم شهدت العديد من القصص للاعبين تعرضوا لعقوبات انضباطية أثرت سلباً على علاقتهم بفرقهم، وتحولت بعض الخلافات البسيطة إلى أزمات كبيرة بسبب سوء التواصل بين اللاعب والمدرب، وفي حالات عديدة أدى تكرار العقوبات إلى فقدان الثقة، ثم رحيل اللاعب عن النادي رغم قيمته الفنية العالية.
تهميش النجم يثير انتقادات الجماهير
وعن نظرة الجمهور، أوضح صالح أن غياب اللاعب عن المباريات أو تهميشه على دكة البدلاء يثير دائماً تساؤلات وانتقادات، خصوصاً إذا كان اللاعب نجماً مؤثراً، فالجماهير غالباً ما تنقسم بين مؤيد لقرارات المدرب بدعوى الانضباط، ومعارض يرى أن مصلحة الفريق الفنية يجب أن تكون الأولوية، لا سيما إذا انعكس الغياب سلباً على نتائج الفريق وأدائه داخل الملعب.
وعن جانب تهميش اللاعب على الدكة لفترة طويلة وتعرضه للإحباط والعناد يواصل الدكتور صالح قائلاً:
«بالفعل من الناحية النفسية فإنه في كثير من حالات تهميش اللاعب والاحتفاظ به على دكة البدلاء لفترة طويلة قد يسبب له الإحباط وأحياناً العناد، لكن الأمر ليس قاعدة مطلقة ويتوقف على عدة عوامل، فاللاعب يشعر بقيمته من خلال المشاركة والتأثير داخل الملعب، وعندما يطول الجلوس على الدكة دون تفسير واضح أو خطة معلنة، يتسلل الإحباط تدريجياً، وقد يتحول هذا الشعور إلى عناد أو مقاومة غير مباشرة، كضعف الالتزام، أو تراجع الحماس في التدريبات، أو فقدان التركيز الذهني، كما أن بعض اللاعبين يستجيبون للتهميش برد فعل إيجابي، فيضاعفون الجهد لإثبات الذات، بينما يتعامل آخرون مع الوضع كنوع من الإقصاء أو العقاب الصامت، ما يولّد لديهم شعوراً بالظلم أو فقدان الثقة بالجهاز الفني، وهو ما قد ينعكس سلوكاً عنيداً داخل وخارج الملعب».
واختتم الدكتور صالح حديثه بالتأكيد على أن الجانب النفسي للاعب يتأثر بشكل كبير عند تطور الخلاف مع المدرب، إذ قد يشعر بالإحباط أو فقدان الثقة أو العزلة داخل الفريق ما ينعكس على مستواه الفني، لذلك يشكل الحوار المباشر والاحترافية من الطرفين أهمية كبيرة لتجاوز المشكلة، لأن نجاح الفريق يبقى مرهوناً بتوازن العلاقة بين الانضباط والدعم النفسي.
