
رمضان في الذاكرة الشعبية ليس شهر الصيام والعبادة فحسب، بل هو أيضًا شهر الطقوس الاجتماعية الصغيرة التي تشكّل ملامح الحياة اليومية بعد الإفطار. وبين تلك الطقوس ظلّت بعض الألعاب تتناوب الحضور جيلًا بعد جيل؛ بعضها خفت بريقه مع الزمن، وبعضها الآخر بقي ثابتًا كأنه جزء من هوية الشهر نفسه.
ومن بين هذه الظواهر اللافتة تبرز الكرة الطائرة بوصفها اللعبة التي نجت من تبدّل الأزمنة، بينما تضاءل حضور ألعاب أخرى كانت يومًا ما رفيقة السهرات الرمضانية، مثل لعبة الكيرم التي كانت تتصدر المجالس والبيوت.
في الماضي القريب، كانت طاولة الكيرم جزءًا من المشهد الليلي في كثير من البيوت والمقاهي الشعبية، لعبة هادئة تعتمد على الدقة والصبر، وتُمارس في دائرة صغيرة من الأصدقاء. لكن الزمن، بطبيعته المتغيرة، أعاد ترتيب الأولويات الترفيهية. ومع اتساع المدن وتغير إيقاع الحياة، بدأت الألعاب الحركية تكتسب مساحة أكبر، فوجدت الكرة الطائرة نفسها في قلب المشهد الرمضاني، لا بوصفها لعبة رياضية فقط، بل كطقس اجتماعي كامل.
اللافت أن الكرة الطائرة في رمضان لا تُمارس كرياضة تنافسية بقدر ما تُمارس كاحتفال جماعي بالحركة واللقاء. في الأحياء والحواري، في الساحات الترابية أو الملاعب المنظمة، تتشكل فرق عفوية بمجرد أن تُشد الشبكة وتُرمى الكرة. هنا لا أحد يسأل عن العمر أو الوزن أو مستوى اللياقة. قد يقف إلى جانب اللاعب الشاب رجل في الخمسين، وقد يشارك شخص بملابس رياضية كاملة، بينما يشارك آخر بثوبه التقليدي، في مشهد يبدو أقرب إلى كرنفال شعبي صغير منه إلى مباراة رسمية.
هذه الخصوصية هي ما جعل الكرة الطائرة تحتفظ بمكانتها الرمضانية. فهي لعبة بسيطة الأدوات: كرة، شبكة، ومساحة مفتوحة، لكنها في الوقت ذاته تملك قدرة نادرة على جمع الناس. لا تحتاج إلى تجهيزات معقدة، ولا إلى مهارات احترافية، بل يكفي أن يضرب أحدهم الكرة لتبدأ سلسلة من الضحكات والنداءات والتشجيع العفوي.
ومع مرور السنوات، تحولت هذه المباريات الليلية إلى ما يشبه التظاهرة الاجتماعية التي تتكرر في مختلف المناطق. في القرى كما في المدن، في الملاعب المضيئة أو الساحات الترابية، تتكرر الصورة نفسها: تجمعات بشرية تتحلق حول شبكة، وكرات تتطاير في الهواء، وأصوات تشجيع تتداخل مع نسيم الليل الرمضاني.
ربما لهذا السبب بقيت الكرة الطائرة ثابتة في المشهد، بينما تراجع حضور ألعاب أخرى؛ فهي لا تعتمد على مهارة النخبة، ولا على شروط اللياقة الصارمة، بل على روح المشاركة. وفي رمضان تحديدًا، حيث يلتقي الناس بعد يوم طويل من الصيام، تبدو هذه اللعبة كأنها امتداد طبيعي لفكرة الشهر نفسه: لقاء، بساطة، وبهجة مشتركة.
