تابع قناة عكاظ على الواتساب
خلال الشهر الفارط وقفنا على حافة القبور، لنودّع بدموع حارة العزيز سعيد السريحي والشاعرة ثريا قابل، والطبيب أشرف محمود بخش، والوالد الغالي الشيخ محمد بن عبدالله السويلم وغيرهم، مع غيابهم تصحو ذكرياتهم، ولحظات عاشوها بيننا بكل ما فيها من أفراح وأتراح..
يكبر في دواخلنا الإحساس بالفقد، وتنوب الدموع في التعبير عما يجيش في قلوبنا من حزن عميق، وشجى مضنٍ.
الموت ليس حدثًا عابرًا، ولا صفحة تُطوى ليبدأ غيرها.
إنه اللمسةُ الأخيرة على جبين الحياة، صوتُ الصمت حين يخفت كل شيء، اللحظة التي يتوقف فيها العالم عن الدوران ولو استمرت الأرض بالدوران تحت أقدامنا.
الموتُ هو ذاك الباب الذي يفتح على الغياب، ويغلق خلفه كل ما كنّا نعرفه ونألفه ونحبّه.
في فلسفة الوجود، يبقى الإنسانُ عابرًا في ممرّ ضيّق اسمه الدنيا محطة مؤقتة، لا استقرار فيها ولا يقين إلا اليقين نفسه.
الحياة ليست دار إقامة، بل جسر يصلنا إلى الدار التي لا تفنى ولا تزول، حيث تستقر الأرواح وتصفو العقول وتطمئن القلوب.
إدراكنا لهذه الحقيقة الكبرى لا يخفّف من وطأة الفراق، ولا يطفئ نار الوجع حين يرحل الأحباب.
الفجيعة ليست في الموت ذاته، بل في أثره الذي يخلّفه فينا.
رحل الأب والأخ والعمّ والصديق، وبقيت وجوههم معلّقة في ذاكرة القلب، وأصواتهم تتردّد في أعمق أعماقنا.
نرى أماكنهم الفارغة، كأنها فجوات في الهواء لا تُملأ. ونحسّ بأن شيئًا فينا انكسر ولم يعد كما كان، كأن قطعة من الروح رافقتهم في رحلتهم إلى الغياب.
كم يشبه الفراق ضربة ريح باردة تخترق الصدر، أو ظلاً ثقيلاً يجلس على القلب.
نتألم لأن أرواحنا اعتادت حضورهم، ثم وجدت نفسها فجأة أمام صمتٍ مطبق لا يجيب.
نتألم لأننا نعرف أن الوجوه التي كانت تضيء أيامنا لن تعود، الضحكات التي كانت تملأ المكان أصبحت الآن ذكرى، أصواتهم، حركاتهم، كلامهم، كلها رحلت، لكن وجع الفراق لا يرحل.
يبقى معنا، يرافق خطواتنا، ينام على صدورنا، يصحو كلما مرّت ذكرى أو هبّت رائحة أو ظهر أثر بسيط كان يخصّهم.
في رمضان كانت لنا معهم ذكريات وأحداث، وفي كل عيد وكل مناسبة نحِنّ شوقًا إليهم.
تظل أرواحنا تتلمّس غيابهم، وتحاول عبثًا أن تتكيّف مع هذا النقص الجديد الذي صار جزءًا من تكويننا.
مع كل هذا الحزن، تبقى في أعماقنا نافذة صغيرة تُطلّ على الرجاء؛ لأننا نعرف إيمانًا لا وهمًا أن الموت عبور لا نهاية، وأن الأحبة الذين سافروا قبلنا ينتظروننا في الحياة التي لا ألم فيها ولا فراق، وأن اللقاء ليس بعيداً، بل أقرب إلى القلب، في عالم لا يشبه عالمنا، سيعيد إلينا ما فقدناه ويجبر كل كسر عرفته أرواحنا.
ومع ذلك يبقى الألم الآن، ويبقى الحزن ويظلّ القلب يردد سرّ الفجيعة الكبرى:
نحن لا نخاف الموت
نحن نخاف الفراق.
نخاف المساحة الفارغة التي يخلّفها الراحلون خلفهم.
نخاف أن تستيقظ أرواحنا ذات صباح، فلا تجد الذين كانوا يصنعون معنى الأيام ويهدوننا باقات الفرح.
الموت قدرٌ لا مهرب منه، لكن الوجع قدرٌ آخر نعيشه حتى نرحل.كل ما في اﻷرض من فلسفة لا يعزّي فاقداً عمّن فقد.
نحن الذين نتألم لفقدِهم، فالموتُ لا يوجعُ الموتى، الموتُ يوجع الأحياء.
رحم الله من فقدنا، وصبّرنا القدير على فراقهم.
