تابع قناة عكاظ على الواتساب
في قلب كل نهضةٍ إنسانيةٍ راسخةٍ يتقدّم الفن بوصفه البوابة الأعمق إلى الإبداع، والمحرّك الخفي لترقية الذائقة وتهذيبها، وركيزة أصيلة في بناء الوعي الإنساني وصقل الحس الجمالي، إذ تنهض الفنون بدورٍ حيوي في تهيئة العقول لاستقبال الحياة بأفقٍ أرحب ونسج جسور حية بين المجتمعات وواقعها، فالفن ليس ترفاً عابراً، بل قوة ناعمة تستجلب المعرفة، وتُعيد توازن النفس، وتنسج صلاتٍ حيّة بين الإنسان وواقعه، ليغدو أحد أبرز تجليات الحضارة ولسانها الصادق في التعبير عن القيم والمشاعر؛ من هنا جاءت أهمية تأسيس «جامعة الرياض للفنون» كوثبة كبرى على مسار التحوّل الثقافي في المملكة كأول جامعة متخصصة في الفنون والثقافة في السعودية وعلى مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مشروع وطني تشرف عليه وزارة الثقافة بقيادة وزير الثقافة ورئيس مجلس أمناء «جامعة الرياض للفنون» الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، -وفي تقديري- أن هذه الجامعة هي بوابة الإبداع بوصفها الشرارة الأولى التي تفتح الأفق أمام مشاريع ثقافية مماثلة تؤسّس لبنية إبداعية متكاملة، وتمهّد الطريق لنشوء مؤسسات جديدة، تُرسّخ حضور الفن كقطاع حيوي، وتوسع دوائر التأثير الثقافي محلياً وعالمياً.
من أفقٍ يتجاوز التراكم إلى التأسيس العميق، والتحوّل الحاسم من نماذج التعليم التقليدي إلى فضاءات التنافسية العالمية، تشيّد جامعة الرياض للفنون منظومة أكاديمية متكاملة عبر ثلاث عشرة كلية تستوعب كامل الطيف الثقافي وتقاطعاته الحيوية من الأفلام والموسيقى والمسرح والفنون الأدائية، إلى التراث والتصميم والعمارة والأزياء، وصولاً إلى الإدارة الثقافية وفنون الطهي والآداب واللغات والفنون البصرية والتصوير، فضلاً عن دراسات المتاحف والمكتبات والمخطوطات والتعليم الثقافي بتنوع لا يكتفي بتعدد المسارات، بل يؤسس لبنية معرفية متماسكة تعيد وصل الفن بالاقتصاد والوعي، وعلى الضفة الدولية تنفتح الجامعة على شراكات نوعية مع مؤسسات رائدة عبر شراكات استراتيجية مع أكاديميات وجامعات عدة مثل كلية الفنون السينمائية في جامعة جنوب كاليفورنيا (USC)، الأكاديمية الأمريكية للموسيقى والفنون الدرامية، وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن (SOAS)، والكلية الملكية للفنون (RCA) لتطوير البرامج الأكاديمية في الجامعة، وكلية الفنون الأدائية (AMDA)، وكلية إيسيك لإدارة الأعمال (ESSEC)، كما وقّعت الجامعة شراكة أكاديمية مع جامعة جيلدهول (Guildhall) للموسيقى والدراما في لندن التي تعد من أبرز المؤسسات التعليمية المتخصصة في الفنون الأدائية، وتستهدف جامعة الرياض للفنون بهذه الشراكات بناء منظومة تعليمية متقدمة تُعنى بتأهيل الكفاءات في جميع مجالات الفنون التي تضمها الجامعة، ضمن برامج تمتد من الدورات القصيرة والدبلوم إلى البكالوريوس والماجستير والدبلوم العالي والدكتوراه، وتتجاوز الشراكات حدود تطوير المناهج إلى تمكين أعضاء هيئة التدريس عبر التدريب والتأهيل، بما ينعكس على جودة المخرجات التعليمية ويمنح الطلبة فهماً متكاملاً لمسارات الإبداع والبحث والاحتراف المهني، كما تفتح آفاقاً أوسع للتبادل الثقافي، وتربط الطالب بسياقات فنية عالمية تواكب تحوّلات الصناعة الإبداعية العالمية، وتستند هذه الشراكة إلى ثقل أكاديمي راسخ في مجالات عدة ما يمنح البرامج المطورة بعداً تنافسياً يعزز حضور الخريجين في الأسواق المحلية والدولية. وبهذا النهج ستكرّس جامعة الرياض للفنون موقعها كمحرك رئيس لتأهيل جيل مبدع، قادر على تحويل الشغف الفني إلى مسار مهني مستدام، يسهم في تنمية الاقتصاد الثقافي وصناعة مستقبل إبداعي أكثر انفتاحاً وتنافسية ويؤكد أن الاستثمار في الإنسان لم يعد مقتصراً على المعرفة التقليدية، بل بات يتجه نحو بناء عقول مبدعة قادرة على تحويل الفكرة إلى قيمة مستدامة لمنظومة جديدة تعيد تعريف التعليم الإبداعي.
في خلاصة هذا المسار التحولي، تغدو جامعة الرياض للفنون تجسيداً لإرادة وطنية تعيد تعريف الاستثمار في الإنسان بوصفه طاقة إبداع لا تنضب وخطوة تُطلق مكامن الشباب، وتعيد توجيه الشغف نحو أثرٍ مستدام يتناغم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في ترسيخ اقتصاد ثقافي مزدهر وحضور عالمي واثق.
