
تابع قناة عكاظ على الواتساب
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم في المملكة، لم يعد تطوير المدرسة ترفاً تنظيرياً، أصبح ضرورة إستراتيجية تمليها طبيعة المرحلة. ومن بين أبرز الطروحات التي نسمعها اليوم، هو تحويل المدرسة إلى كيان مستقل، أقرب إلى «وزارة مصغّرة»، تُدار فيها العمليات التعليمية والإدارية والمالية من داخلها، بقيادة مدير يمتلك الصلاحيات ويُحاسب على النتائج.
هذه الفكرة، رغم جاذبيتها واتساقها مع نماذج الحوكمة الحديثة، لا تمثل مجرد تطوير إجرائي، بل تحول عميق في فلسفة الإدارة التعليمية، يتطلب استعداداً حقيقياً يتجاوز حماسة الطرح.
ولكن، السؤال الحقيقي لم يعد حول إمكانية تطبيق هذا النموذج، ولكن حول مدى جاهزيتنا له!
فالتجربة الميدانية لي لأكثر من ثلاثة عقودة في القيادة التعليمية، في التعليم الحكومي والأهلي، تؤكد أن التحدي لا يكمن في منح الصلاحيات، ولكن في جاهزية من سيتحملها. لا يمكن تعميم نموذج متقدم على ميدان لم يُهيأ له بعد، مهما كانت جودة الفكرة.
ما زال مدير المدرسة، في كثير من الحالات الآن، يعمل ضمن إطار تنفيذي محدود، تُقاس كفاءته بمدى التزامه بالتعليمات، لا بقدرته على صناعة القرار. وعندما نضعه فجأة في موقع القائد الشامل، المسؤول عن الموارد البشرية والمالية وجودة المخرجات، فإننا نحمّله دوراً لم نُعدّه له بما يكفي، وهنا تتشكل الفجوة الحقيقية بين الطموح والواقع.
إعداد قيادات مدرسية قادرة على إدارة «وزارة مصغّرة» لا يمكن أن يكون قراراً إدارياً سريعاً، بقدر ما هو قرار لمشروع وطني طويل النفس، يمتد لسنوات، ويُبنى على أسس علمية واضحة.
نحن بحاجة إلى برنامج نوعي لا تقليدي، لإعداد قادة التعليم، يستهدف فئة عمرية تمتلك الطاقة والمرونة بين الثلاثين والأربعين عاماً، تُصقل ببرامج مكثفة في القيادة، والإدارة المالية، واتخاذ القرار، وتحليل البيانات، وبناء الفرق. وفي المقابل، فإن الخبرات التراكمية لمن هم أكبر سناً لا ينبغي أن تُقصى، بل يُعاد توظيفها كخبرات استشارية، وكجسر يربط المدرسة بالإدارة العليا، ينقل الخبرة ويضبط الاتساق ويحد من أخطاء البدايات.
كما أن النموذج الإداري المقترح لا يزال بحاجة إلى نضج على مستوى الهياكل والتشغيل. فالمدرسة المستقلة لا يمكن أن تُدار بعقلية تنظيمية تقليدية، ولا بأنظمة تشغيل مجتزأة. نحن أمام كيان يحتاج إلى وضوح في الهيكل، ودقة في توزيع الصلاحيات، وأنظمة رقمية تمكّن من المتابعة اللحظية، ومؤشرات أداء تقيس الأثر لا الجهد فقط، وإلا تحولت الاستقلالية إلى عبء إداري بدل أن تكون أداة تمكين. كذلك حوافز مالية وإدارية تجعله يبدع ويستمر في وظيفته.
وفي قلب هذا التحول يبرز سؤال الثقة؛ هل سنمنح المدرسة الصلاحيات ونكتفي بالمتابعة من بعيد، أم سنبقيها تحت مرجعية تفصيلية تُفرغ الاستقلال من مضمونه؟ التجربة تشير إلى أن النجاح يكمن في التوازن؛ تمكين حقيقي يقابله نظام مساءلة صارم، وحوكمة ذكية تراقب النتائج دون أن تقيد الوسائل.
كما أن إعادة تشكيل دور إدارات التعليم أو شركات التعليم المستقبلي، لتتحول من جهة تنفيذية إلى جهة رقابية أو تشغيلية ذات طابع مختلف، يتطلب مراجعة عميقة للدور، بحيث تنتقل من إدارة التفاصيل إلى ضمان الجودة، ومن إصدار التعليمات إلى دعم القرار، ومن الرقابة الشكلية إلى الحوكمة القائمة على البيانات. وهذا التحول لا يمكن أن ينجح بإعادة هيكلة شكلية، بل بإعادة تأهيل حقيقي.
ومن واقع التجربة الممتدة لي، في القطاعين الحكومي والأهلي، فإن الاستقلالية تنجح حين تقوم على قيادة مؤهلة، ونموذج تشغيلي واضح، وثقافة مؤسسية تؤمن بالنتائج. وعندما يغيب أحد هذه العناصر، تتراجع الفكرة مهما كانت قوتها النظرية.
إن التحول إلى «مدرسة الوزارة المصغّرة» يحمل فرصاً كبيرة، لكنه يحمل أيضاً مخاطر إن لم يُدَر بعناية. فالتدرج في التطبيق، واختيار نماذج تجريبية، وبناء برامج تأهيل قيادي، وتطوير أنظمة حوكمة رقمية، وإعادة تعريف العلاقة بين الوزارة وإدارات التعليم والمدارس ضمن إطار مستقر وواضح، كلها ليست خيارات إضافية، هي شروط أساسية للنجاح.
التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان التحول، بل في ضبط إيقاعه. لسنا بحاجة إلى تسريع الخطى بقدر حاجتنا إلى تثبيت الأساس. فبناء القيادات، وتصميم النماذج التشغيلية، وتطوير أدوات الحوكمة، كلها تسبق التمكين، ولا تأتي بعده.
إن الرهان الحقيقي في هذا التحول ليس على النموذج، بل على الإنسان الذي يديره. فالمدرسة قد تُمنح كل الصلاحيات، لكن دون قائد واعٍ، ونظام داعم، وثقافة مؤسسية ناضجة، ستظل هذه الصلاحيات حبراً على ورق.
نحن أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل المدرسة السعودية، لكن النجاح لا يقاس بسرعة التحول، بل بعمق بنائه. فلنتمهل قليلاً، ولنضبط الإيقاع، قبل أن نُسرع نحو نموذج قد يكون طموحاً.. لكنه إن لم يُبنَ بعناية، قد لا يحتمل واقع الميدان.
