تابع قناة عكاظ على الواتساب
الحديث مع العقول الوازنة يفتح الكثير من النوافذ الثرية والإضاءات الهامة، فالصورة ليست دائماً كما تصدرها مواقع التواصل أو شاشات القنوات التلفزيونية، هذا ما لمسته خلال عدة اتصالات مع الأصدقاء والأساتذة في السعودية وسلطنة عمان والإمارات، وأذكر أن بعض هذه الأحاديث المطولة كان بعضها مع الكاتب الصحفي السعودي الكبير سعود الريس، والكاتب الصحفي العماني الكبير محمد العريمي، وعدد كبير لا يسعني المجال لذكرهم جميعاً، إلا أن خلاصة هذه النقاشات دفعتني لكتابة المقال.
لم تهدأ الرمال المتحركة تحت أقدام العرب منذ زمن بعيد، لكن المؤسف أن الدروس القاسية على مدار التاريخ لم تكن كافية حتى اللحظة، منذ دخول المغول وسيطرتهم على بغداد ودمشق وتدمير الحضارة العربية، وقتل العلماء وتدمير كل منجز عربي، حتى كسر شوكتهم في معركة عين جالوت (1260م/658هـ) على أبواب مصر، وكذلك اختلاف أمراء الأندلس الذي قاد إلى سقوط غرناطة، وتتالت بعده الحملات وفترات الاستعمار على دول المنطقة مستهدفة حضاراتها وتاريخها وثرواتها، ومع كل محطة تزداد المنطقة فرقة، ربما خطأ تقديرات أو محاولات بحث عن مخارج أحادية أو تحالفات لحظية ثبت عدم دقتها في كثير من الحالات.
في اللحظة الراهنة التي جمد فيها الصراع بين مشاريع القوى المتصارعة واشنطن وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة، يبرز سؤال وجودي ملح يتجاوز حدود اللحظة الراهنة: هل ندرك حجم التحديات المحدقة بنا، وهل نحن مستعدون لمواجهتها بصف واحد ورؤية موحدة؟ وهل تتفقون معي أن ما نشاهده على مواقع التواصل وشاشات القنوات يدعو للأسف، تلك المشاحنات والتلاسنات ما القصد منها، بل ما فائدتها، هل ستقودنا إلى صياغة رؤى لمواجهة التحديات المتعددة أم أنها مجرد لحظات انفعالية سنكتشف بعدها أنها كما كل الخلافات في المراحل السابقة التي قادت للنتائج التي نعرفها جميعاً.
مع كل المعطيات التي توفر كل طرف جزء من الحقيقة والضرورة في طرحه، إلا أننا بحاجة إلى رؤية عميقة بعيدة المدى، فالوقت غير مناسب لسجال سياسي، بل إن الضرورة الحتمية التي تفرضها حقائق التاريخ والجغرافيا تجعلنا في أمسّ الحاجة لمواجهة مساعي تفتيت المشرق العربي وإضعاف جبهته الداخلية، وتحويله إلى مجرد ساحة خلفية لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية والمشاريع المتحاربة على أرضنا، وعلينا أن ندرك جيداً أن سقوط الحضارات واندثار الدول يحدث تدريجياً عندما تفقد قدرتها على الاستجابة للتحديات الخارجية برؤية موحدة وتماسك اجتماعي وسياسي، وهو ما نرى ملامحه بوضوح في الوقت الراهن.
وبصراحة أكبر هنا لا أتحدث عن القومية العربية بشكلها القديم، ولا عن شكل من أشكال اصطفاف الكل خلف دولة واحدة، لكن عن التكامل بشكل عصري، ذلك الذي لا يقوم على القوة دون الاقتصاد ولا اقتصاد دون قوة تحميه، التعاون الذي يقوم على المصالح المشتركة والأولوية الجغرافية والإقليمية الذي يقوم على أسس شفافة وواضحة وناجزة، تنتصر للعلم والمعرفة وأصحاب الرؤى والاختصاص لا أصحاب الثقة.. التكامل الذي يرى في نهضة دول المنطقة ضرورة حتمية، وأن الاقتصاد الذي يعزز قوة دولة أخرى هو ضرورة حتمية لا منة، كما أن القوة التي تحمي هي ضرورة وليست منة أيضاً، هذا التكامل الذي يجعل المنطقة ضمن المعادلة الجديدة التي يتجه إليها العالم وهي «الأقلمة»، فهذا هو توجه اليوم في إطار أشمل وأدق لما يطلق عليه «تعدد القطبية».
علينا أن نؤمن أن كل مشاريع النفوذ في الوطن العربي الكبير لا تختلف عن بعضها البعض، كل منها يقوم على جثة الإنسانية وعلى أنقاض حضارات أخرى، مخططات الغرب ومشروع الشرق الأوسط الجديد، ومشروع إيران ومشاريع دول أخرى، ليست أحداثاً طارئة، العالم يعيش على وقع أحداث مشابهة منذ قرون خلت، وانطلاقاً من أن الأشقاء في الخليج يرون في إيران العدو الأخطر والآني، والأشقاء في فلسطين والعراق ولبنان ونحن في مصر يرون في إسرائيل العدو الأخطر، فإننا أمام حالة استخلاص هامة أن المواجهة تفرض آليات مغايرة وجماعية ضمن استراتيجية لا مجرد ردود فعل آنية، وإلا سندور في نفس الدوامة لعقود حتى نفني بعضنا البعض، إذاً علينا أن ننطلق من تلك الأسس بآليات حديثة ومغايرة تضمن للجميع مكانته ودوره، فالمنطقة بكل مكوناتها، مسلمين بكل طوائفهم، ومسيحيين، وكل مكونات على هذه الأرض يجب أن تكون فاعلة على أسس المواطنة لا المحاصصة.
شقيقي في كل بلد عربي، إننا نقف في الوقت الراهن أمام رؤية استراتيجية، تحدث عنها بوضوح رالف بيترز في مقالته الشهيرة «حدود الدم» (Blood Borders)، التي اقترحت تقسيم المنطقة على أسس طائفية وعرقية لضمان استمرار الصراعات البينية وإضعاف أي كيان عربي موحد، دون إغفال دور برنارد لويس، لكن السؤال: هل ما أذكره هنا جديد؟ في الحقيقة لا، الجميع قرأ وعلم وسمع وتحدث عن هذا، لكن السؤال الأهم: هل سنخوض معارك صفرية وتلاسنات ومشاحنات وكل منا يدعي أنه على صواب وأنه من يواجه المشروع لنصل إلى نفس النتائج السابقة، أم أننا قادرون على صياغة رؤية مغايرة والخروج بنتائج مغايرة؟ في تصور «رقعة الشطرنج الكبرى»، التي طرحها المفكر زبيجنيو بريجنسكي في مؤلفه الشهير، سنجد أننا أمام ضرورة تاريخية لنتقدم فيها خطوة للأمام، دون انتظار أن يحل قطب محل آخر أو أن يتقاسم قطب الغنيمة مع آخر، موارد المنطقة وممراتها الحيوية منحتها مكانة لم نحسن استثمارها، فلا يجب أن نسيء توظيفها في الوقت الراهن.
في النهاية علينا أن نعي أن المشروع الإيراني بتطلعاته التوسعية التي تتجاوز حدوده الجغرافية، والمشروع الإسرائيلي يتلاقيان في مسار واحد وهو ضرورة إضعاف الدول الوطنية التي تلاشت الكثير منها ولم يتبق إلا بعض عواصمنا الهامة.
كذلك علينا أن نعي جيداً أنه وفي ظل معالجة الإشكالات الحاصلة في المنطقة العربية في عدد من الدول، لا يجب إغفال أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى ترسيخ هيمنته الإقليمية، وتأمين تفوقه العسكري والتكنولوجي المطلق، مستفيداً من حالة التشرذم العربي، ومحاولاً تفتيت الجبهات المحيطة به لضمان بقاء دولة الاحتلال دون إقامة الدولة الفلسطينية، مع استبعاد قدرته الحقيقية على ما يزعمه من قيام «إسرائيل الكبرى»، فهذه الرواية المزعومة غير قابلة للتحقق، لأسباب عدة ومقومات غير متوفرة لدى دولة الاحتلال باستثناء التفوق العسكري.
بالعودة إلى استشراف المستقبل، سنجد أن هناك ضرورة يمليها الواقع الحالي، تنطلق من أن مواجهة التحديات يجب أن تبنى على أسس راسخة، تتطلب قيادة مصر والسعودية وسلطنة عمان للجهود العربية تنضم إليها المغرب والجزائر وتونس والإمارات والعراق وسوريا، وكل الدول الفاعلة دون إقصاء أو حتى إهمال، لكننا في البداية نحتاج لانطلاق يتجاوز التباينات والخلافات المتجذرة بين العواصم العربية منذ عقود، ولعل في القاهرة والرياض ومسقط نقاط تلاقٍ كثيرة يمكنها أن تعيد تشكيل الرؤية العربية على أسس حديثة، تستند إلى قوة بشرية تتجاوز 100 مليون نسمة في مصر، وجيشها الذي يصنف في المركز الـ15 عالمياً، والأول عربياً، وفق تصنيفات Global Firepower 2026، والسعودية بقيادتها الحكيمة، ورؤيتها الطموحة 2030، وبثقلها الاقتصادي الذي جعلها تتربع على عرش الاقتصادات العربية في عام 2026 بناتج محلي إجمالي يصل إلى 2.84 تريليون دولار، محتلة المركز الـ16 عالمياً، وتشكل القوة الدافعة والمحرك الاقتصادي والسياسي للمنطقة، والمصدر الأساسي للاستقرار المالي، وسلطنة عمان وما تملكه من ثقل سياسي وعقل وازن يمكن أن يكون حلقة الوصل مع الجانب الإيراني رغم تأزم الوضع في الوقت الراهن، لكنه يبقي على باب يمكن استثماره مستقبلاً لإحلال الأمن والسلام.
برؤية مغايرة يجب الإشارة إلى ضرورة أن نرى في إجمالي الناتج المحلي العربي المتوقع لعام 2026 الذي يقترب من حاجز الـ 4 تريليونات دولار، وهو رقم يضع العرب في مصاف القوى الاقتصادية الكبرى، فرصة لصياغة المعادلة بشكل مختلف عما يصاغ الآن لنا، مع إدراك أهمية ممراتنا وثروات المنطقة، والموارد البشرية التي تتجاوز 400 مليون نسمة، والتي تمثل سوقاً استهلاكية ضخمة وقوة عاملة شابة ومؤهلة، يمكن استثمارها في معادلة الأمن التي نسعى إليها لتحقيق التنمية والاستثمار.
في الأخير يمكن القول إن الحرب الدائرة لم تنته، بل جمدت أو أخمد أحد فصولها، مع احتمالية تجددها في وقت قريب أو بعيد، المهم أن الجولة القادمة لا يجب أن تكون على جثث الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين بل أبناء المنطقة بشكل كامل مرة أخرى، نعم يحتاج الأمر لسنوات من العمل، لكن علينا أن نعيد التفكير في الآليات مرة أخرى، خاصة أننا أمام سيناريوهات عدة، منها: إما سيناريو «التفتيت المستمر والتبعية»، وهو الأفضل بالنسبة لكافة المشاريع المتصارعة على أرضنا. وثانيها سيناريو «النهضة الإقليمية الكبرى والتكامل الاستراتيجي»: وهو السيناريو الذي ننشده ونسعى لتحقيقه، حيث يتشكل محور (الرياض-القاهرة-أبوظبي-تركيا- باكستان) كقطب قائد يقود عملية تكامل شاملة، مع العمل على سد ثغرات الخلافات القائمة.
كما أود مخاطبة الذين يدفعون نحو الفتنة بقصد أو بغير قصد، بنزعة عاطفية أو وطنية قاصرة، أن يتوقفوا قليلاً عن السب والتلاسن والمعايرات وبث السموم التي أغرقتنا منذ قرون في دوامة الطائفية والمناطقية والإثنية، يجب أن تكون هذه الأرض قد اكتفت من الدماء، ويجب أن تكون ساحات الفضاء الأزرق قد اكتفت من التلاسن والأحقاد ومسارات التفرقة.
