تابع قناة عكاظ على الواتساب
ليس صحيحًا أن كل اهتزاز أمني أو عسكري يفضي تلقائيًا إلى سقوط النماذج السياسية والاقتصادية، كما ليس صحيحًا أن تعرّض دول مجلس التعاون الخليجي لتهديدات أو اعتداءات في لحظة إقليمية مضطربة يعني أن نموذج الدولة الحديثة قد وصل إلى نهايته. فالدول لا تُقاس بقدرتها على العيش في أوقات الصفاء فقط، بل تُقاس أساسًا بقدرتها على الصمود في لحظات الاختبار، وعلى امتصاص الصدمة، وحماية تماسكها الداخلي، وتحويل الخطر إلى دافع لتعزيز المناعة. ومن هذه الزاوية يبدو الحديث عن قرب انهيار هذا النموذج حديثًا متسرعًا كما يذهب إلى ذلك بعض الشامتين المرضى، لأنه يتجاهل طبيعة هذا النموذج وأسس بنائه عبر عقود. إن الدولة الخليجية الحديثة لم تتشكّل بوصفها فقاعة عابرة قائمة على الوفرة المالية وحدها، بل نشأت من خلال بناء مؤسسات إدارية فاعلة، وتطوير بنى تحتية متقدّمة، وصياغة علاقة مستقرة بين الدولة والمجتمع، وإقامة شبكات واسعة من المصالح الدولية، فضلًا عن تأسيس اقتصادات تملك قدرًا معتبرًا من المرونة والقدرة على التكيّف. ومن ينظر إلى التجربة الخليجية بإنصاف يدرك أن سر قوتها لا يكمن في المال فقط، على أهميته، بل في وجود عقل إداري قادر على العمل تحت الضغط، وفي مؤسسات لا تنهار مع أول أزمة، وفي قدرة واضحة على اتخاذ القرار بسرعة وحماية مفهوم الاستمرارية. وتقدّم المملكة العربية السعودية مثالًا مركزيًا داخل هذا النموذج الخليجي؛ فهي تمثل الثقل السياسي والاقتصادي والأمني الأكبر في المنظومة الخليجية، وتجسّد بوضوح فكرة أن الدولة التي تجمع بين الموارد الكبرى، والوزن الإستراتيجي، والرؤية التنموية، تملك أدوات البقاء والتأثير في آن واحد. فالسعودية ليست مجرد قوة نفطية، بل دولة ذات دور محوري في استقرار المنطقة، وفي أسواق الطاقة، وفي إعادة تشكيل صورة الخليج بوصفه فضاءً للتنمية والفاعلية لا مجرد منطقة رخاء هش. ومن أهم عوامل بقاء النموذج الخليجي أن هذه الدول أصبحت جزءًا مؤثرًا في الاقتصاد الدولي، وفي التجارة والطاقة والاستثمار والنقل والخدمات، وهذا يضعها في قلب المصالح العالمية لا على هامشها. لذلك فإن استقرارها ليس حاجة داخلية لشعوبها فقط، بل مصلحة دولية واسعة، وهو ما يمنحها وزنًا إضافيًا ويجعل من السذاجة تصور أن العالم يمكن أن يتعامل مع أي اضطراب كبير فيها بوصفه حدثًا عابرًا. وإلى جانب ذلك، فإن الملاءة المالية التي تمتلكها دول الخليج تمنحها قدرة كبيرة على احتواء الخسائر ومعالجة الآثار السلبية للحروب والأزمات، فالدولة التي تملك احتياطيات وصناديق سيادية وخبرة في إعادة ترتيب الأولويات ليست دولة عاجزة أمام الضغوط، بل دولة تملك أدوات المعالجة والتعافي. كما أثبتت التجربة الخليجية أن البعد الأمني والعسكري أصبح جزءًا أصيلًا من معادلة البقاء، من خلال تطوير أنظمة الدفاع وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، بما يعني أن هذه الدول لا تواجه التهديدات بعفوية أو ارتجال، بل عبر منظومات متنامية من الردع والحماية. أضف إلى ذلك أن المجتمعات الخليجية ليست مجتمعات رخوة كما يصورها البعض، بل مجتمعات تشكّلت داخلها مصالح كبرى مرتبطة بالاستقرار، ووعي متزايد بقيمة الدولة، وإدراك واضح أن الفوضى ليست طريقًا إلى الحرية أو الازدهار، بل بوابة لانهيار المكتسبات. لذلك فإن الأرجح ليس أفول الدولة الحديثة، بل استمرارها، وربما خروجها من هذه المرحلة أكثر وعيًا بحاجتها إلى تعميق التطوير وتعزيز التنسيق وتوسيع التنويع الاقتصادي. هكذا تبدو الدولة الحديثة اليوم: ليست نموذجًا هشًا ينتظر الضربة الأخيرة، بل تجربة أثبتت أن لديها من عناصر الاستمرار ما يكفي لكي تبقى، ومن مقوّمات القوة ما يسمح لها بتجاوز العاصفة، فيما تظل المملكة العربية السعودية أحد أبرز الأعمدة التي يستند إليها هذا البقاء الخليجي في الحاضر والمستقبل.
