
في المشهد الثقافي السعودي، يبرز طارق بن سعد القرني بوصفه صوتاً يجمع بين الحسّ الإبداعي والوعي الفكري، متنقّلاً بثقة بين فضاءات الكلمة وأسئلتها الكبرى. لم تكن تجربته وليدة المصادفة، بل نتاج مسار طويل من القراءة، والكتابة، والانشغال العميق بقضايا الثقافة والإنسان. في هذا الحوار، نقترب من طارق سعيد القرني لا بوصفه اسماً في المشهد فحسب، بل بوصفه تجربة تتشكّل على مهل، نحاوره حول علاقته بالقراءة وتحولاته الفكرية، ورؤيته للمشهد الثقافي، وأسئلته المفتوحة على المشهد الثقافي.
• كيف تشكّلت علاقتك الأولى بالقراءة والكتابة؟
•• بدأت علاقتي بالقراءة والكتابة منذ الصغر، لكنها لم تكن منضبطة ولا غاية لها، وبعد دخولي الجامعة أصبت بوعكة صحية/نفسية جعلتني أقرأ لأفهم نفسي وما الذي أشعر به، فصارت القراءة حالة وجودية وليست وظيفية، بمعنى آخر؛ أصبحت أقرأ لأجد نفسي لا لأحصل على شهادة أو وظيفة.
تخصصت في اللغة ثم في المناهج النقدية، ومنهما انطلقت لباقي العلوم الإنسانية لأوسع مداركي حول اللغة، ولم أفكر يوما -وما زلت- في الحديث عن غير اللغة وعوالمها، لكن فهمي للغة قد يكون مختلفاً عن كثير من الدارسين، فأنا أنظر للغة باعتبارها بيت الوجود -بلغة هيدغر- ومظلة الفهم والإدراك، ومنها يتكون كل تركيب يصلح بعده لفهم النفس والمجتمع والسياسة والتاريخ والدين، فتتحول اللغة إلى نمط تفكير فلا تبقى خاملة للحفظ والتداول البارد.
وفق ما سبق؛ أحب اللغة ومنها دخلت عالم القراءة الواسع للحياة والنفس، ووفق نمطها أكتب، ولا أعرف غيرها وسيلة للتعالق مع الحياة ومن فيها.
• ماذا عن اللحظة المفصلية التي غيّرت مسارك الثقافي؟
•• لا أعرف لحظة بعينها كانت فارقة في حياتي الشخصية أو الثقافية، حياتي بسيطة حد الروتين البارد، ولست بالذي تعود على الجدل والخصومات كي أُصدم فتتغير رؤيتي، لكني أنعطف حسب ما تقتضيه أنماط الأفكار التي أنتهي إليها، ولا أكابر إنْ وجدت التغيير أسلم، لأني كما قلت سابقاً أعدّ العلم حالة وجودية لا وظيفية، وما دام هو وجود فلا بد من الأخذ بالفكرة الأجدر حجاجياً وعدم المكابرة على ما يعيق تقدمي أو وجودي، وهذا وفق شرط مثالي مهم وهو ألا ينقض أو يضاد هذا التغيير ما أعده أصلاً من الأصول.
• هل تكتب لتقول رأياً؟ أم لتطرح سؤالاً؟ أم لتقاوم النسيان؟
•• أكتب لأتحرر من فكرة داخلية أريدها أن تختبر قوتها أمامي في الواقع، أستفزها بالكتابة كي أرى كيف تدافع عن نفسها وجدارتها بالوجود والبقاء، أكتبها كي أعبر لنفسي وللآخر عن توقي للتواصل مع غيري.
الكتابة هي القدرة على وضع المعهود الذهني في مقامه الصحيح واقعياً، وهذه اللعبة اللغوية أعتقد أني أجيدها إلى حد جيد، فالكتابة غير السبب الأول أعدّها نوعاً من الترفيه العقلي.
• المشهد الثقافي السعودي، كيف تقرأه اليوم؟ وما الذي تغيّر فيه فعلياً لا شكلياً؟
•• المشهد الثقافي حالياً جيد، وإنْ كان ينحو للكمّ أكثر من الكيف أو النوع، لكنه جيد لأنه مجال يربي نفسه بنفسه، أو أن المتلقي يربي عقله ويختار من يبقى معه ويدرس عليه.
الثقافة بمعناها الواسع جديدة على مجتمعنا، وجدتها في مفهوم التخصص أو الاحتراف، وليس الأكاديمي أو الخبير، فالمتخصص هو من تشرب ما يتحدث عنه وليس من حصل على شهادة فيه قد تكون ورقية أكثر من كونها جدارة معرفية، وليس الخبير بمعنى الذي تعود إنما المحترف الذي وصل لمعرفة كيفية التركيب بين أجزاء ما يقدمه فصار قادراً على وضع بصمته، ولكي ننتقل إلى صنع فضاء ثقافي مميز نحتاج لوقت وعمر وتربية ذهنية تجعلنا ننتج دون تكلف أو رغبة في الانتصار الشخصي والشهرة، فالمحصلة أن المشهد الثقافي جيد وينمو بطريقة صحية.
• كثرة المنصات.. هل أضعفت القيمة؟ أم وسّعت دوائر التأثير؟
•• كثرة المنصات ظاهرة صحية، والمهم أن تنقح نفسها واختياراتها كي لا تكون مملة أو سطحية ضعيفة، وكي تتطور هذه المنصات فلا بد من تغير عقل المتلقي والمُلقي والمنتج لهذه البرامج، فهذا التركيب المثلث يدعم كل طرف تطور الآخر ونموه عبر المزيد من الحوارات النقدية التي تنمي التصورات وتستفز العقول، فالتطور الحقيقي ليس تقنية البرامج والمنصات بل تطور ونمو العقول التي تعمل عليها، ولعل من المبكر الشكوى والتذمر حيال هذه المنصات وكثرتها، بل أدعو لتفهم أن المجتمع يريد أن يحكي وكل فرد يبحث عن مكانته في هذا الازدحام كي يحقق ذاته، فلا بأس من التعاون سوياً للوصول إلى ناتج يقتنع كل أحد بعد التمحيص بجدارة من بقي.
• أين تقف من الجدل الدائم حول نخبوية الثقافة وشعبويتها؟
•• أؤمن بديمقراطية المعرفة، وأن من حق كل فرد الحديث بما لا يضره ولا يخرج عن نطاق القانون والأصول العرفية للمجتمع، فالنخبوية، وفق هذا، هي صفة تقال عن صاحبها وليست وظيفة يقوم بها، وكلما زاد وعي المجتمع صار يضع نخبه بعناية ويقدم من يستحق، والنخبة ظاهرة قديمة وصحية تصف مجموعة تحملت بمسؤولية وكفاءة -أركز عليهما كثيراً- ما من شأنه تقديم الوعي بصورة تليق بمكانة المجتمع، وليست النخبوية شعاراً لطرد المختلف وإنْ كان محقاً.
• أنت مهتمّ بالفلسفة تحاضر فيها وتكتب كثيراً عنها.. هل حشد المصطلحات والألفاظ العلمية والفلسفية دليل على أنّ صاحبها فيلسوف أو مثقف؟
•• التأصيل يلزم منه ذكر الأقوال التي قيلت في القضية المطروحة للبحث، فذكرها ليس للبقاء في ظلها بل للانتقال منها إلى الرأي الخاص بالباحث، فإن كان رأياً جديداً أو اختياراً فلا بد من دعمه بالحجج التي استند عليها في تكوين رأيه، وهذه الخطاطة هي الطريقة المعرفية الصحيحة، وصاحبها يُعد باحثاً بالمعنى المنهجي وليس حاشداً للأقوال فقط، لكن لأن الناس في مجتمعنا اعتادوا على الخطاب الديني والأدبي فصار عندهم حساسية كبيرة في مسألة النقل حتى ظنوا كل نقل عيباً في عقل الناقل وعلمه، وهذا مغالط لمن درس العلوم الإنسانية التي لا تنفك عن ذكر الأقوال السابقة والبناء عليها، ولا يهمني هل يطلق على من هذه حاله فيلسوفاً أم غيره، المهم عندي أن يقيم شروط المعرفة وينفع العقل المتلقي بما يقول.
• هناك من لا يرى القراءة والاطلاع ميزة.. ما رأيك؟
•• القراءة مختلفة عن الاطلاع؛ الأولى هي البحث في المكتوب ومقارعة الكاتب بالحجة ومعرفة كيفية تركيب الأفكار في المقروء، أما الاطلاع فنظرة سطحية ذرائعية وهدف صاحبها منها الوصول إلى معلومة مفقودة وليس إلى فهم تركيب فكري.
وعلى ما سبق؛ فالقراءة مهمة وعليها تُبنى المجتمعات والنفوس وتتطور اللغة والعقول، وقد تكون التأملات الشخصية الجادة مقارعة للقراءة فتكون بديلة عنها، فالقراءة هي عملية النفاذ إلى تأملات الكاتب، فمن استطاع تكوين عالمه التأملي بدقة ومعرفة ترتبط بالأخلاق فليس شرطاً وجودياً له أن يقرأ، فالقراءة إذن هي وسيلة للوصول إلينا وليس للخروج عن أنفسنا للتباهي أمام الآخرين.
• من هو الفيلسوف المتمكّن؟
•• الفيلسوف المتمكن هو الذي يجعلك تفكر بمواضيع جادة لكنها مهملة، وتجدها في حياتك ومسكونة في لغتك. فهذا هو الفيلسوف الحقيقي الباحث عن الحكمة وهي وضع الشيء في مكانه الصحيح ولا يكون ذلك إلا بالبحث في الأطروحات السابقة للقضية، والحوارات الدائمة مع كل طبقات المجتمع، ثم التأمل في أفضل طريقة ممكنة للوصول إلى وضع كل مفهوم في سياقه التداولي الصحيح.
• «الاقتناع بالفكرة ليس لذاتها بل لحضور صاحبها في نفسه».. هل هذه ظاهرة في ثقافتنا اليوم؟
•• يبدو أنها ظاهرة، وهي طبيعية ما لم تكن تجاوزاً على غير الماكث في النفس، وليست سبيلاً للكذب والتدليس، والإنسان بطبعه يخجل ممن تفضل عليه ولو بالقليل، فتجده يجامله كي يبقى مستريحاً تجاه مكانته في نفسه، ولعل هذا يتنافى كما يظن البعض مع البحث والعلم والتقدم، ولا أرى ذلك إلاّ إن خالف ما اشترطته في بداية جوابي، وعندي أن البقاء في حيز طبيعتنا البشرية أهم من تنفيذ ما تعلمناه منهجياً، فالمنهج وإنْ رأيناه دقيقاً لكنه يبقى عملاً إنسانياً، فلا بأس عندي من الجمع بين «المجاملة غير الضارة» وبين النقد الموضوعي الحجاجي.
• هل يضايقك حينما يقال عنك متكلّف أو متحدث في كلّ فنّ؟
•• لا يضيق صدري من أي نقد أو قدح يقال لي، لأني حقيقة مشغول بمشروعي المعرفي وبعيد عن المناكفات التي تضر بمشروعي. أما حديثي فلم يخرج عن نطاق تخصصي في العلوم الإنسانية وفي جانبها النظري تحديداً، ومن يعرف البحث العلمي وشروطه لن يصفني بالحديث في كل علم، لكن الساحة المعرفية والثقافية عجّت بمجموعة تعودوا على طريقة التخصص الجامعي فظنوها طريقي في البحث العلمي وهذا خطأ كبير، فالباحث في اللغة -مثلاً- لا يمكن أن يهمل القراءة الدقيقة في علم النفس والاجتماع والسياسة والدين والتاريخ والأنثروبولوجيا والفلسفة، كذلك المتخصص في النفس لا بد أن يبحث في كل العلوم الإنسانية كي يهتدي لأفضل فهم للإنسان، فكل أحاديثي وكتاباتي تنطلق من هذه المقدمة المنهجية التي سار عليها الفلاسفة والباحثون عبر التاريخ إلى يومنا.
• لماذا أنت ضد النقد الثقافي؟
•• لا يوجد شيء اسمه «النقد الثقافي» إنما «دراسات ثقافية»، فالنقد علم منطقي له منهجية وسُلم تراتبي يسير عليه ليصل لغايته الموضوعية، أمّا ما يسمى النقد الثقافي فهو شماعة للحديث أو «التعنيف» عن قضية لا تروق لـ«الناقد الثقافي» فهو ينطلق من مسلّمة ليصل عبر اختيارات معينة لبغيته، فهذه هي عين الأيديولوجيا، وقوام البحث -إنْ قلنا إنه بحث- في هذا المجال البحثَ في الأنساق المضمرة، والحق أن كل العلوم تبحث في الأنساق المضمرة وتحديداً علم النفس التحليلي الذي أسسه كارل يونغ، والبحث في الأنساق المضمرة لا يصح ختمه بحكم انفعالي مثل («المتنبي شحاذ»، «المرأة معنفة»)، فهذا حكم انفعالي أيديولوجي وليس نقدياً تأويلياً (التأويل هو منهج البحث في كيفية فهم الفاعل لفعله = فهم الفهم)، وغير ذلك الكثير مما لا يمكن بعده الاعتراف بما يسمى النقد الثقافي.
