تابع قناة عكاظ على الواتساب
ماذا يعني غياب القانون الدولي؟ هذا السؤال يطرح نفسه بقوة في وقتنا الراهن. لأن الأحداث التي تدور في عالمنا اليوم تظهر بجلاء غياب القانون الدولي عن الساحة الدولية. مما يعني غياب الأخلاق والقيم الإنسانية والأعراف والدروس المستخلصة من التجارب والتاريخ.
غياب القانون الدولي يعني، ببساطة، عودة قانون الغاب؛ حيث لم يعد هناك فارق بين الضحية والجلاد، ولا بين المعتدي والمعتدى عليه. إنه تحوّل القوة إلى مصدر وحيد للحق، فأصبح القوي هو من يقرر ما هو صائب وما هو خطأ، دون رادع أو محاسبة.
هذا الغياب يعني أن ميثاق الأمم المتحدة، الذي خرج من رحم الحرب العالمية الثانية لمنع كارثة جديدة، أصبح حبراً على ورق. وأصبحت مؤسسات المجتمع الدولي عاجزة عن حماية الأبرياء، مما يعيدنا إلى مبدأ «البقاء للأقوى» الذي حاولت البشرية تجاوزه عبر قرون من النضال والتضحيات.
بل إن غياب القانون الدولي هو إنكار لكرامة الإنسان ذاتها. فعندما تُقتل النساء والأطفال ويدمّر المدنيون تحت قصف عشوائي أو حصار جائر، ويبقى المجتمع الدولي صامتاً أو عاجزاً، فهذا يعني أن الإنسانية فقدت بوصلتها الأخلاقية، وأن الدماء لم تعد ثمينة، بل مجرد أرقام في معادلات سياسية باردة.
وإذا كان القانون هو لغة العقل والمنطق التي تحكم العلاقات، فإن غيابه يعني أن الصراع أصبح يُحسم بلغة الدم والنار فقط. إنه فشل ذريع للحكمة الإنسانية، وتنكّر للدروس التي كان ينبغي أن نتعلمها من ويلات الحروب السابقة. وهو يخلق واقعاً مرعباً يدفع الجميع ثمناً باهظاً له، سواء كانوا ضحايا مباشرين أو مجرد متفرجين عاجزين.
الآن أصبحت البلطجة تمارس دون حراك من المجتمع الدولي. فالخطف والقتل للخارجين عن إرادة القوي مستباح. مفهوم السيادة لا معنى حقيقي له. السيادة اليوم للقوة وفرض الواقع. الوضع خطير فالقانون أساس كل المبادئ السياسية والأسس والأنظمة، بدونه تسود الفوضى وشريعة الغاب، وتعود آفات المجتمعات التي عملت الإنسانية جاهدة على القضاء عليها وتخفيف حدتها وسطوتها. عندما تولد المجتمعات يظهر معها آفتان: الحروب والطغيان. والقانون هو السبيل الوحيد الذي يقضي، أو على الأقل يحد من هاتين الآفتين.
الذي يميّز الحضارات عن غيرها وجود القانون وتطبيقه وسيادته والآليات القادرة على إنفاذه.
فغياب القانون الدولي إذاً، هو انتحار جماعي للحضارة الإنسانية. إنه تراجع ممنهج إلى عصور الظلام، حيث كانت القبيلة القوية تغزو القبيلة الضعيفة وتستعبدها باسم البقاء. إنه تفكيك للنسيج الهش الذي يربط البشر ببعضهم رغم اختلافاتهم، ليحل محله منطق المعسكرات والتحالفات المؤقتة القائمة على المصالح اللحظية، وليس على المبادئ الثابتة.
وعندما تغيب العدالة، يحل محلها الانتقام. وعندما يغيب القانون، يصبح كل شيء مباحاً للقوي: من إبادة جماعية إلى تطهير عرقي، تحت مسميات برّاقة ومبررات واهية. هذا الغياب لا ينذر فقط بمعاناة الضعفاء، بل هو وعد بفناء الجميع، لأن القوي اليوم قد يكون الضعيف غداً في عالم لا يحكمه إلا منطق القوة.
إن غياب القانون الدولي يعني أننا نحرق آخر الجسور التي تبقينا ضمن إطار الإنسانية المشتركة، ونتخلى عن أحلام الأجداد في عالم أكثر عدلاً وسلاماً، ونسلم الراية لأحفاد النيرون والجنكيز خان الذين لا يعرفون من لغة الحضارة إلا أحدث أسلحة الدمار.
