العالم، طوال تاريخ البشرية المكتوب وحتى من قبل ذلك، يُحكم بسلطة السياسة وجبروت الثروة وإغواء الجنس. متى تجتمع السلطة والمال، حتى مع وجود رقابة ومحاسبة على مؤسسات السلطة ورموزها، تكون هناك ثغرات للفساد السياسي والمالي والأخلاقي تنخر في كواليس السياسة وغياهب دهاليز سطوة المال وإغواء نزوات النفس.مقولة: لا أخلاق في السياسة، التي نسبت للمفكر ورجل السياسة نيقولا ميكيافيلي (1469-1527)، كانت تنحصر في ممارسات العمل السياسي وكواليس مؤامراته. هذه الزاوية، التي كان ينظر إليها ميكيافيلي لتفسير السلوك السياسي لمن هم في السلطة والطامعين فيها، بعيدة كل البعد عن شبهة أخلاقية لها علاقة بسلوكيات شاذة قد تسيطر على سلوك المشاهير، وتجرهم إلى ارتكاب جرائم أخلاقية شاذة، تأباها النفس البشرية.. السوية وتشمئز منها الفطرة الإنسانية السليمة.الوثائق التي يُتكلم عنها اليوم كله (وثائق جيفري إبيستين) كشفت فضائح للثالوث المرعب (السلطة، الثروة والجنس) مما تَخْبُرُ به الممارسة السياسية في أي مجتمع، لا فرق مَنْ تحكمه مؤسسات رقابية ومحاسبية تبدو صارمة، أو تلك التي تحكمه سلطة سياسية. بل أحياناً يُخبرنا التاريخ عن زعامات سياسية مستبدة، في غاية الزهد والتقشف، غير قابلة لسطوة الثروة وإغواء الجنس، إلا في حدود ضيقة خاصة جداً، مترفعة عن ارتكاب جرائم فساد مالي أو إغواء جنسي شاذ، تترتب عليهما جرائم يعاقب عليها القانون وتستهجنها أعراف البشر وفطرة الإنسان الطبيعية. في العصر الحديث، لننظر إلى سلوك أدولف هتلر وستالين وموسيليني وفدل كاسترو، وفي الجانب الآخر روزفلت وبل كلينتون وكنيدي: نزوات جنسية عادية عابرة أو مستدامة، قد يستسلم لإغوائها بعض الناس، دون أن يكونوا أصحاب سلطة أو مال أو مكانة سياسية أوجاه اجتماعي.ما كُشف من ملفات ووثائق عن شبكة إفساد وإجرام سلوكي شاذ لجيفري إبيستين وضيوفه في جزيرته الشيطانية، بعيد كل البعد عن أي فساد أخلاقي متوقع من أي سلوك إنساني يعكس ضعفاً يتسق مع ضعف وإغواء النفس البشرية الأمارة بالسوء. كشفت تلك الوثائق شبكةً للرقيق الأبيض، تتجاوز تاريخ أقدم مهنة مارسها البشر، إلى سلوك يعكس هوساً جنسياً شاذاً يُمارس ضد بنات قُصّر، لم يصل تطورهن البيولوجي لمعرفة وظائف جهازهن التناسلي، بعد. ليس هذا فحسب، بل هؤلاء البنات الصغار لم يتعرّضن فقط لاستغلال جائر لإعراضهن، بل إلى ممارسات سادية تصل أحياناّ إلى القتل، بل أكل لحومهن، بعد تعذيبهن! مستوى من الهوس الجنسي المريض، الذي لم يشهد تاريخ البشرية مثيلاً له من قبل.الأخطر في هذه الممارسات الشاذة، التي كشفتها وثائق جيفري إبيستين، كان أبطالها مشاهير كبار بعضهم وصل لمكانة رفيعة مهابة وحسّاسة في مجتمعهم، بل إنّ بعضهم تسنّم مقاليد السلطة، سواء كان حاكماً سابقاً، أم حاكماً حالياً. قد يُفهم أنّ أصحاب الثروة قد ينغمسون في ملذات الجنس، فهم من حيث ملاءتهم المالية قادرون على الإنفاق ببذخ على نزواتهم وشهواتهم قد تكلفهم نصف ثرواتهم في بعض المجتمعات، إذا كانوا متزوجين، لكن أصحاب السلطة ما كان لهم أن ينزلقوا لهذا الدرك الأسفل من السقوط الأخلاقي المخزي، استسلاماً لنزواتهم الشاذة المريضة. توثيق تلك الممارسات، صورةً وصوتاً، لا يعني إلا شيئاً واحداً ابتزازاً سياسياً، ليتخذوا أولئك الساسة والنافذون قرارات بموجب مناصبهم السياسية ووضعهم النافذ، لصالح طرف دولي ثالث، وإلا يكونوا عرضةً لتهديدهم لنشر ذلك، على الملأ علناً.لقد ظهر أن جيفري إبيستين مدرس الرياضيات السابق، يعمل لصالح أسوأ دولة مارقة في مجتمع الدول، تربط وجودها القومي، بابتزاز زعماء دول كبرى، أو دولٌ وظيفية هامشية. كما أظهرت تلك الوثائق، إبيستين وهو يُسَخِر ما يدور في جزيرة الشيطان التي يمتلكها لخدمة تلك الدولة المارقة المعادية للسلام، التي لم يكن لدول عظمى مسؤولة عن سلام العالم وأمنه، أن تتحكم في سلوكهم السياسي وقراراتهم العالمية، دون التورط بابتزازهم، عن طريق توثيق ممارستهم الشاذة مع قاصرات في حفلات هوس جنسي صاخب يتجاوز مجرد ممارسة الجنس الحرام، إلى التورط في جرائم قتل بشعة وشاذة، لم تعرفها حتى مجتمعات البشر البدائية.
