
على ارتفاع شاهق، وسط ضباب كثيف وغابات مطيرة تبتلع الضوء، تختبئ واحدة من أكثر قصص أمريكا اللاتينية غموضاً؛ المدينة المفقودة (Ciudad Perdida)، المدينة التي ظلت معزولة عن العالم قروناً كاملة، قبل أن يعثر عليها بالصدفة لصوص يبحثون عن الذهب.
في قلب جبال سييرا نيفادا دي سانتا مارتا شمال كولومبيا، تقف أطلال حجرية شاهدة على حضارة سبقت زمنها. مدينة تأسست قرابة عام 800 ميلادي، أي قبل نحو 600 عام من ماتشو بيتشو في بيرو، لكنها اختارت الاختفاء بدل الشهرة.
حضارة بنَت مدينة في السماء
شيّد شعب حضارة التايرونا هذه المدينة لتكون مركزاً سياسياً ودينياً واقتصادياً نابضاً بالحياة. لم تكن مجرد مستوطنة جبلية، بل شبكة هندسية معقدة من؛
- مدرجات حجرية دائرية فوق المنحدرات.
- سلالم ضخمة أشهرها درج من نحو 1200 درجة.
- مسارات تربط بين المساحات السكنية والطقسية.
- أنظمة متقدمة لتصريف المياه والزراعة الجبلية.
- مهارة لافتة في صناعة الذهب والفخار.
كل ذلك في بيئة وعرة، دون أدوات حديثة، في تناغم مذهل مع الطبيعة.
لماذا «مفقودة»؟
لم تكن المدينة مجهولة للجميع. فقبائل أصلية مثل كوغي وأرهواكو وويوا كانت تعرف موقعها وتعتبرها أرضاً مقدسة.
لكن بالنسبة للعالم الخارجي، اختفت تماماً خلف ستار الغابات الاستوائية الكثيفة، وصعوبة التضاريس، وغياب الطرق. حتى الاستعمار الإسباني تجاهلها مفضلاً السواحل على الجبال، فبقيت ألف عام في عزلة خضراء.
وفي عام 1972، كسر الصمت لصوص آثار يُعرفون بـ«غواكيروس» عثروا على الموقع أثناء البحث عن كنوز، وبدأت قطع ذهبية نادرة تتسرب إلى السوق السوداء.
الصدمة دفعت السلطات للتحرك، وفي 1976 بدأ علماء الآثار الكولومبيون أعمال التنظيف والتوثيق، وأُعلن الاسم الذي سيشعل فضول العالم: «المدينة المفقودة».
الوصول إلى المدينة ليس نزهة. فلا طرق معبدة، ولا سيارات، ولا إشارات.
الرحلة تبدأ من مدينة سانتا مارتا، مروراً بقرية «إل مامي»، ثم 4 إلى 5 أيام من المشي عبر:
- غابات مطيرة كثيفة.
- أنهار يجب عبورها سيراً.
- مرتفعات طينية زلقة.
- وأخيراً، صعود 1200 درجة حجرية نحو القمة.
ولا يسمح بالدخول إلا ضمن جولات منظمة وبوجود مرشدين معتمدين، احتراماً لقدسية المكان وحمايته.
أكثر من موقع أثري
بالنسبة للسكان الأصليين، ليست مجرد أطلال. إنها مركز روحي حيّ، ورمز لفلسفة التوازن بين الإنسان والطبيعة.
وتُعد المنطقة نفسها من أكثر مناطق العالم تنوعاً بيولوجياً، وتُوصف بأنها أعلى سلسلة جبلية ساحلية في العالم.
لماذا تبهر العالم؟
- أقدم من أشهر مواقع أمريكا اللاتينية.
- قصة اكتشاف درامية بدأت بالنهب.
- مغامرة حقيقية بعيداً عن السياحة التجارية.
- تواصل مباشر مع ثقافات أصلية لا تزال حية.
وفي زمن تتسابق المدن نحو الأضواء، اختارت هذه المدينة أن تبقى صامتة ألف عام.
واليوم، من يصعد درجاتها الحجرية لا يزور أطلالاً فقط، بل يعبر الزمن إلى حضارة عرفت كيف تبني، وكيف تختفي.
