بعد عشرين سنة من غزو العراق لازال غارقاً بالصراعات الطائفية وعنف المليشيات والجماعات الإرهابية التي تكوّنت بعد سقوط النظام وقتلت أكثر من مليون عراقي حسب مجلة ذالانست الطبية، وإن استمرت الحملة الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتغيير النظام فلابد من وجود قوات عسكرية على الأرض لحماية المنشآت النفطية والنووية ومضيق هرمز وتأمين النظام الجديد، لأن التعبئة العقائدية بإيران ضد أمريكا وإسرائيل هي أكثر بفارق فلكي من التي كانت بالعراق، فحتى لو سقط النظام الإيراني فمنسوبو المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية سيشكّلون جماعات تستهدف النظام الجديد والقوات الأمريكية والإسرائيلية ومن تتهمهم بالتعاطف معهم كما حصل بالعراق، وهناك تحركات حالياً لجماعات انفصالية إيرانية كردية وبلوشية وأهوازية معادية للنظام لبدء حرب عصابات ضده مما يهدّد بحرب أهلية، وستتحوّل إيران لمفرخة للجماعات الإرهابية، ودرس حصار وغزو العراق؛ أن أمريكا حاولت دفع الشعب العراقي للثورة على صدام عبر الحصار الذي قتل مليوني عراقي وقصف متواصل طوال فترة الحصار لأكثر من عقد دمّر البنية التحتية، ولم يتم خلع النظام من قبل الشعب، ولذا كان الاجتياح البري الطريقة الوحيدة لخلع النظام، وحسب التقارير الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية لم تحدث أي مظاهرات واحتجاجات معادية للنظام منذ بداية الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ولا توجد أي بوادر لانشقاقات داخلية بأجهزة الدولة، وهذا أربك الحسابات الأمريكية الإسرائيلية التي افترضت أن الشعب الإيراني سيستغل الحملة العسكرية للقيام بتحركات شعبية عارمة تخلع النظام، ولهذا أمام القيادة الأمريكية الإسرائيلية أحد خيارين؛ إنهاء الضربات الجوية بدون خلع النظام، أو تكرار سيناريو احتلال العراق بقوات برية، والمانع الوحيد لهذا الخيار هو أن غالب القاعدة الشعبية بأمريكا رافضة للتدخل البري لأنه يستنزف الميزانية الأمريكية ويقتل جنودهم، ويرون أن جميع حروب أمريكا بالشرق الأوسط دافعها تحقيق أطماع إسرائيل بفرض الهيمنة العسكرية على الشرق الأوسط لتحقيق «إسرائيل الكبرى»، وكان أهم الوعود الانتخابية عدم خوض حروب وتحويل ميزانية الحروب للإنفاق على البنية التحتية المتهالكة، فأمريكا خسرت بحرب العراق أكثر من ثلاثة ترليونات دولار استنزفتها وساهمت بتقدم الصين عليها ليس فقط صناعياً وتكنولوجياً وعلمياً إنما حتى في البنية التحتية والخدمات، فبسبب الإنفاق الأمريكي المفرط على الحروب قطعت التمويل الحكومي حتى لوكالة الفضاء الأمريكية/ناسا، فخر أمريكا العلمي والتكنولوجي، وقطعت تمويل الأبحاث العلمية وبرامج الرعاية الاجتماعية وصيانة البنية التحتية، والإدارة الأمريكية جمّدت حسابات أكبر الجامعات الأمريكية عقوبة لها على مناهضة طلابها لإسرائيل مما أدى لإيقاف الأبحاث الطبية والعلمية والصناعية وعرّضت حياة المرضى للخطر، وهذا ضاعف غضب القاعدة الشعبية بأمريكا ضد إسرائيل لأنهم يرون مصالح الأمريكيين تتضرر لصالح خدمة الأطماع العدوانية الإسرائيلية، وأسعار السلع والبنزين زادت بشكل كبير بأمريكا بسبب الحرب، وبالنسبة لما نشر عن قناعة قادة أمريكيين بالجيش بأن الحرب على إيران هامة للتمهيد لمعركة آخر الزمان «هرمجدون»، فذات الشيء حصل بغزو العراق حيث أخبر الرئيس الأمريكي الرئيس الفرنسي أن احتلال العراق هام لمنع يأجوج ومأجوج، والرئيس الفرنسي استدعى أستاذ لاهوت ليعرف منه من هم يأجوج ومأجوج، والتيارات الإسلامية المتطرفة لديهم نفس الهوس بالتمهيد لنهاية العالم، وصديق المرشد الجديد «جابر رجبي» قال إن المرشد رأى رؤيا بأنه الخرساني بنبوءات آخر الزمان، ونتنياهو قال في خطابه الأخير «هذه الحرب ستوصلنا للمملكة الإلهية-أي حكم إسرائيل للعالم-وقدوم المسيح». فمنذ ألفي سنة كل جيل من الأديان الثلاثة يحاول جعل زمانه «آخر الزمان» بحرب وإرهاب بالشرق الأوسط ليكون البطل الملحمي للنهاية، طبقاً لروايات تراثية مفبركة لا حقيقة لها.
