
تابع قناة عكاظ على الواتساب
يرن جرس الساعة، فأفتح عيني بتثاقل. أمد يدي نحو هاتفي، فأغرق بين مقطع وآخر وخبر وتالٍ، وتتسرّب الدقائق دون أن أشعر حتى يحين وقت النهوض. في هذه الرحلة الرقمية، يبدو وكأن المنصات هي التي تقودني.. لا، بل أنا من يقودها! إنها نهضة تكنولوجية هائلة، وأنا مجرد مستخدم، ومع ذلك، أحياناً أجد نفسي أسيراً لوجهة لا أحددها تماماً. فهل يا ترى أنا القائد حقاً أم التابع؟
نظن أننا نتحكم بما نرى، نختار ما نحبه، نضغط على ما يثير اهتمامنا، ونعيد مشاركة ما نؤمن به، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. في عالم الفضاء الرقمي، لسنا دائماً السادة، بل كثيراً ما نكون الطرف الذي يُقاد، وذلك بفضل الخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة. هناك أنظمة تتسلل بهدوء إلى عقولنا، تؤثر فينا دون أن نشعر، وتوجهنا طوعاً نحو محتوى غالباً ما يكون مضللاً. إنها تعيد تشكيل الواقع أمامنا، وتنسج آراءنا وسلوكياتنا بخيوط خفية يصعب إدراكها.
هذه الممارسات التي نتعرّض لها هي شكل جديد من أشكال عبودية العقول، ولكن دون قيود مرئية. فنحن، بصفتنا مستخدمين، نواجه يومياً خوارزميات صمّمت بعناية لجذب انتباهنا والتأثير في معتقداتنا. كل نقرة، وكل إعجاب، وكل مشاركة ليست مجرد تفاعل عابر، بل وقود لأنظمة تدرسنا، ثم تعيد توجيهنا بدقة. قد تظن أنك المتحكم في اختياراتك ومتابعاتك ونوعية المحتوى الذي تتصفحه، لكن كل خطوة رقمية تقوم بها تُستخدم لإرشادك إلى خطوة أخرى، إلا إذا كنت واعياً تماماً لها.
نعم، إنها لعبة «السيد والخادم» في حلتها الرقمية؛ أنت تستخدم المنصة، لكنها تستخدمك أيضاً. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، لا تكاد تمر بيوم دون أن تسمع عبارة «مقطع مفبرك». والتشكيك هنا ليس نابعاً من بعده عن الحقيقة، بل على العكس، من شدة اقترابه منها وواقعيته المذهلة. هذا ما يُعرف بالتزييف العميق (Deepfake)، وهي تقنية متطورة للغاية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، قادرة على إنتاج محتوى زائف صوتاً وصورةً بدرجة يصعب تمييزها. وهنا يتعاظم التهديد؛ إذ لم يعد الخطر مقتصراً على جذب الانتباه فحسب، بل بات يمتد إلى إعادة تشكيل إدراكنا للواقع. فما نراه قد لا يكون حدثاً حقيقياً، بل رواية صُممت بعناية لتؤثر علينا.
وأشهر مثال على ذلك، الفيديوهات المفبركة التي انتشرت عام 2021 على منصة «تيك توك»، والتي أظهرت الممثل الأمريكي توم كروز في مقاطع بدت واقعية تماماً، وكأنها يوميات حقيقية له. حصدت هذه المقاطع ملايين المشاهدات عالمياً، وأثارت جدلاً واسعاً دفع وسائل الإعلام الغربي والجهات الحكومية، بما فيها الكونغرس ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)، إلى مراقبة هذه التقنية عن قرب والتنبه لمخاطرها على الأمن القومي.
ولاستيعاب مدى حجم الخطر، دعونا نضع في الحسبان أن هذا التأثير والانقياد الذي نتعرّض له قد لا يبقى بالضرورة حبيس الشاشات، بل قد يمتد ليؤثر على سلوكنا وقراراتنا في حياتنا الواقعية. وهنا تكمن خطورته الحقيقية، تماماً كما حدث مع قصة «بيتزا غيت» التي تم تداولها قبل بضع سنوات في أمريكا، حيث دفع التضليل الإعلامي أحد الأشخاص إلى حمل سلاحه والتصرف بناءً على وهم سيطر على عقله، صانعاً منه مجرماً مداناً.
وتدور أحداث «بيتزا غيت» حول إشاعة رقمية انتشرت عام 2016 تدعي أن هيلاري كلينتون ومدير حملتها الانتخابية يديران شبكة لاستغلال الأطفال من قبو مطعم في واشنطن. انتشرت هذه الرواية بسرعة تحت وسم #Pizzagate، وتداولها آلاف المستخدمين، مما دفع أحد المتأثرين بها، إدغار ويلش، للتوجه إلى المطعم المزعوم حاملاً سلاحاً ومطالباً برؤية القبو، رغم عدم وجوده أصلاً. هذه الحادثة تظهر كيف يمكن للمعلومات المضللة أن تتحول إلى خطر حقيقي على أرض الواقع.
وربما لو كانت الأخبار الزائفة مجرد معلومات خاطئة، لكان من يصدقها جاهلاً أو غير مدرك، لكن الأمر أعمق من ذلك. فقد وصف البروفيسور رسل فرانك -أستاذ الاتصالات المشارك بجامعة ولاية بنسلفانيا- الأخبار الزائفة بـ«الفولكلور الرقمي»، إذ تنتشر لأنها تؤكد معتقداتنا وتعزز مشاعرنا وتخاطب قناعات مسبقة. وذلك لأن الخوارزميات الرقمية تغمرنا بمحتوى يشبهنا ويعزز أفكارنا، ما يجعلنا محاصرين في ما يسمى بـ«غرف الصدى»، حيث لا نسمع إلا ما نريد سماعه ونرى ما نريد رؤيته. والنتيجة هي انقسام اجتماعي، وتأثيرات نفسية ومادية مختلفة تتسع يوماً بعد يوم.
وفي مواجهة هذا التأثير، لا يكون التحرر من العبودية الرقمية بالانسحاب من المنصات، بل بالوعي. أبذل الجهد لتكون السيد لا الخادم؛ علينا أن نشكك، وأن نتحقق، وندرك أن كل تفاعل هو قرار له أثر.
تقع علينا مسؤولية كبيرة: ألا نكون أداة لنشر التضليل، وألا نمنح الأخبار الزائفة صوتاً إضافياً. تحققوا من المصادر، واعتمدوا على الجهات الموثوقة، ولا تنجرفوا وراء العناوين البراقة.
وفي نهاية المطاف، السؤال الجوهري ليس: ماذا تفعل التكنولوجيا بنا؟ بل: ماذا نفعل نحن بها؟
إما أن نكون مستخدمين أذكياء، نحكم قراراتنا، ونحسن اختيارنا، أو أن نظل مجرد بيانات ضمن نظام أكبر يعيد تشكيلنا وتوجيهنا دون أن نشعر بذلك.
