التاريخ أشمل وأعم من أحداث ووقائع ماضية وقصص ومرويات وتراث بين صفحات الكتب.التاريخ هو سجل خبرات البشرية وذاكرتها، تكمن أهميته في فهم الحاضر عبر جذور الماضي، استخلاص الدروس لتجنّب أخطاء السابقين، وبناء الهوية الوطنية والثقافية للأفراد والأمم. كما يعزز الوعي الإنساني، يطوّر مهارات التفكير النقدي، ويساعد في التخطيط لمستقبل أفضل من خلال تحليل تجارب الأمم.التاريخ مهم لأنه ثقافتنا وهويتنا وأحد أسس أدوات التفكير والتخطيط. التاريخ المعلم الأول الذي نتعلم من تجاربه وتراكم خبراته، ويساهم في تطوير العلوم الاجتماعية، والسياسية، والوعي الجماعي بالتطور البشري، مستنداً على نقد وتحليل الوثائق والآثار.المعضلة التي تعاني منها مجتمعاتنا تكمن في عدم نقدنا للتاريخ والتمسك المطلق بمفهوم كمال التراث الإسلامي الذي يؤدي إلى عدد من العيوب والمشاكل، منها: جمود الفكر ومقاومة التغيير والتجديد، حيث يُنظر إلى أي محاولة لتطوير أو نقد التراث على أنها تخل بكماله. إن المعوقات في مواجهة التحديات الحديثة في مجتمعاتنا الإسلامية تظهر خطورة مفهوم كمال التراث على مواكبة العلوم الحديثة وقد تحول دون معالجة التحديات المعاصرة بأساليب جديدة تتماشى مع تطورات العصر الحديث، سواء في العلوم أو التكنولوجيا أو غيرها. إن تجاهل السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي نشأ فيها التراث، وبذلك قد يُساء فهم الغايات والظروف التي استدعت بعض الأفكار والممارسات. كما يسيء فهم مفردات التراث ودلالتها. والمشكلة أن البعض يتصوّر الحياة في القرون الماضية بواسطة منظورهم للحياة الآن ما يؤدي إلى عدة استنتاجات خاطئة ونتائج سلبية. وعلى سبيل المثال النظافة والصحة في القرون الماضية قبل العصر الحديث، كانت أقل تطوراً، مما أدّى إلى انتشار العديد من الأمراض والأوبئة. ومن الطبيعي أن انعكست هذه المعرفية في كتبهم وثقافتهم وعاداتهم. ثم إن التعليم والمعرفة المحدودة كان مقتصراً على النخبة في القرون الغابرة، وغالباً ما كان تحت سيطرة الدولة وكل ذلك انعكس في التراث. غير أن المهم أن نتذكر أن هذه النتائج تظهر الفُرُوق في الزمن والتقدم الذي حققته البشرية، ويجب النظر إليها بفهم للسياق التاريخي والثقافي لكل حقبة. لهذا من الخطأ تصوّر الكمال في التراث.إن النقد الموضوعي للتراث لا يعني أبداً هدمه أو رفضه جملة وتفصيلاً، بل هو محاولة لفهم آلياته وقواعده التي نشأ فيها، والتمييز بين المبادئ والقيم الكبرى التي تشكّل جوهر الهوية، والمتغيّرات التي كانت استجابة لظروف تاريخية محددة ولم تعد صالحة للحل. نحن بحاجة إلى «فقه تاريخي» للتراث، نعيد فيه قراءة النصوص والممارسات في سياقاتها لنستخلص المقاصد الكبرى لا الجزئيات الجامدة. فالمطلوب ليس الانسلاخ من الماضي، بل استيعابه نقدياً وتحويله إلى مصدر إلهام للتجديد، لا إلى عائق يحول دون الابتكار. بهذه الطريقة فقط يمكننا تحويل التراث من «عبء» إلى «قوة دفع» نحو المستقبل.الشرق الأوسط أمام هجمة استعمارية تقوم على مجموعة من الأسس والمفاهيم الفكرية، الاقتصادية، والسياسية التي تهدف إلى إخضاع الشعوب واستغلال مواردها. وقد تطوّرت هذه السياسات عبر الزمن لتشمل السيطرة العسكرية، الفكرية، والاقتصادية. ومن هذه الأسس الفكرية المركزية العرقية والتفوق الحضاري التاريخي الذي يقوم على الاعتقاد بأن الشعوب المستعمرة أدنى شأناً، وأن الثقافة الغربية هي الأعلى والأكثر تطوراً، مما يمنح المستعمر «الحق» في السيطرة. وإثارة الفتن والنزاعات العرقية، الطائفية، أو القبلية داخل المجتمع المستعمر لإضعاف وحدته وتسهيل السيطرة عليه. الاستعمار الثقافي والفكري الذي يسعى لمحو هوية الشعوب المستعمرة (اللغة، الدين، التقاليد) وفرض لغة وثقافة المستعمر، لضمان التبعية طويلة الأمد؛ ينطلق من أن التاريخ صنعه المستعمر الذي سرق الجغرافيا وخلق تاريخ المنطقة.فهمنا للتاريخ وإعادة دراسته بأعين شرق أوسطية وتطهيره مما أدخل عليه من الدراسات الغربية أو السياسية والسلطويّة بغرض تسخيره لأهداف مشبوهة. هذا الفهم المُحرر للتاريخ، وإعادة دراسته بأعين شرق أوسطية واعية، لا يدعو إلى الانعزال عن الفكر العالمي أو رفضه، فالعلوم والمعارف الإنسانية تراكم عالمي، وإنما يدعو إلى تطهير الرواية التاريخية مما علق بها من تشويه مقصود أو تزييف خدمة لأجندات سياسية أو استعمارية، واستعادتها كأداة للتمكين الحضاري والنهضة الشاملة، لا كسيف للماضي يُحجب به نور المستقبل.
