المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سألني أحدهم عن البطاقة مسبقة الشحن أو مسبقة الشراء دون القبض وقرر مطلقاً بأنها تعد من جنس الربا وسبب لذلك ومعللاً بعقد الشراء دون التقابض الحقيقي وأنتفاع البائع دون التسليم ممايشبه كل قرض جر نفع فهو ربا
وحقيقة ومما يؤخذ على هذا القول إن مماتقرر فقهاً أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره ولايتصور حكمٌ بلا تفهم علته ِ الباعثة للفتوى ولو تأمل الحصيف إن مع تطور وسائل النقل العام، أصبحت بطاقات القطارات مسبقة الشحن من النوازل المعاصرة الشائعة، حيث يدفع الراكب الأجرة مقدمًا قبل الانتفاع بالرحلة. يهدف هذا البحث إلى بيان حقيقتها الشرعية، تكييفها الفقهي كعقد إجارة، أدلة جوازها، ووجوه القياس عليها في الفقه الإسلامي، مع الاستناد إلى النصوص الفقهية والمعايير الشرعية.
أولاً: تعريف بطاقة القطار مسبقة الشحن وحقيقتها:
بطاقة القطار مسبقة الشحن هي مستند (ورقي أو إلكتروني) يصدر عن شركة النقل، يمنح حامله حق الانتفاع بخدمة النقل لمسافات أو رحلات محددة، مقابل دفع قيمة الشحن مسبقًا.
حقيقتها المالية ليست بيعًا للعين (القطار نفسه)، بل توثيق لعقد إجارة على منفعة مستقبلية (بيع وقت) ، تشبه بطاقات الاشتراك في الحافلات أو تذاكر الطيران المدفوعة مقدمًا.
ثانيًا: التكييف الفقهي
الأقرب بأنها تُكيَّف البطاقة كعقد إجارة على منفعة معلومة بعوض معلوم، حيث المنفعة هي الانتقال من محطة إلى أخرى في زمن محدد، والمؤجر هو شركة القطار، والمستأجر حامل البطاقة، والعوض قيمة الشحن.
يقاس ذلك على استئجار الدواب أو السفن للنقل في الفقه القديم، كما نص عليه الفقهاء. ويُدعم هذا بالمعيار الشرعي رقم (9) الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI)، الذي يبين: “إن عقد الإجارة هو تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم، ويصح أن تكون المنفعة محددة بالزمان أو بالمكان أو بالعمل، ومن أمثلتها: ركوب الدابة، أو النقل بالسيارة، أو الطائرة، أو القطار.”
ومما يصح أن يخرج عليهل فقهاً :
من كتاب “المغني” لابن قدامة (5/497): “ويجوز استئجار الدابة للركوب والحمل، وكذلك استئجار السفينة للركوب أو لنقل المتاع، إذا كانت المنفعة والأجرة معلومتين، لأن ذلك تمليك منفعة بعوض معلوم، فأشبه سائر الإجارات. من كتاب “رد المحتار لابن عابدين (6/10): “الأجر لا يُملك بالعقد؛ لأنه وقع على المنفعة، وهي تحدث شيئًا فشيئًا، وشأن البدل أن يكون مقابلاً للمبدل، وحيث لا يمكن استيفاؤها حالاً لا يلزم بدلها حالاً، إلا إذا شُرط ولو حكمًا، بأن عجَّله لأنه صار ملتزمًا له بنفسه وأبطل المساواة التي اقتضاها العقد.”
وهذه النصوص تؤكد جواز الإجارة على المنافع المستقبلية المحددة، كما في بطاقات القطار.
ثالثًا:الأدلة الشرعية:
- من الكتاب والسنة: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]، والإجارة بيع منفعة. حديث النبي ﷺ: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (رواه ابن ماجه)، يدل على مشروعية استئجار المنافع.
- الإجماع: إجماع الفقهاء على جواز الإجارة على المنافع المباحة المعينة.
- القياس: يقاس على استئجار الدابة لمسافة معلومة، كما في كتب الفقه. كما يقاس على تذاكر الطيران مسبقة الدفع، التي أقر جوازها المجمع الفقهي الإسلامي في قراراته المتعلقة بالمعاملات المالية المشابهة.
- القواعد الفقهية: الأصل في المعاملات الإباحة، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا، وما كان أرفق بالناس فالقول به أولى (عن أبي يوسف). رابعًا: الضوابط والشروط الشرعية
لصحة العقد:
- تعيين المنفعة وزمنها (المحطات، الدرجة، عدد الرحلات).
- القدرة على التسليم من الشركة.
- خلو العقد من الغرر أو الربا، كغرامات ربوية على الإلغاء.
- الالتزام بالسلامة والعرف.
- جواز إعادة التنازل أو البيع وفق شروط الناقل. خامسًا:مناقشة قول المانع:
إن أسمى مافي مجال المعاملات المالية حفظ المال وتنميته والعدالة في العقود المدنية والناظر لشكل التذكرة يجد أن وسيلة النقل حتى لاستكمال واستتمام شرط تنفيذ هذا العقد الإلكتروني مبدأ الاحتياط من شحن وتجهيزات أولية مسبقة خصوصا مع ضخامة العمل وحجم راغب الخدمة ويجاز لها مايجاز لغيرها من ضرورة تهيئة الخدمة وتقديمها بطريقة سليمة وفق شروطها العلنية وهذا من جنس حفظ مقصد المال وتوابعه وإذ لايمكن تقديم الخدمة وحفظها إلا بموجب ذلك فهي تقوم مقام ملايتم الواجب إلا به فهو واجب وحديث السلم عمدة في تأسيس ذلك وأما مسألة عدم القبض الحقيقي فالقبض الحكمي يقوم مقال ذلك عرفاً وحساً والعادة المقررة عرفاً حاكمه ومن جهة أخرى لو أبطل كل عقد بأي أحتمال لأفسدنا على الناس تجارتهم ولما استقرت العقود ولما ثبت مال أو مصلحة في ذمة
وهذا ينافي مقصد المال وهو مقصد قضائي أصيل في التعاقدات ومن وجه آخر وخصوصا مع كثرة تنوع الناس وتنوع حجم اعمالهم ومصالحهم وازدحامهم فيجاز مالا يجاز لغيرهم سبباً وحكماَ
وإن من نظيراتها شبهاً مسائلة الرمي من فوق جسر الجمرات.
سادساً:التطبيقات المعاصرة والمسائل المتفرعة - تمويل البنوك الإسلامية: جائز عبر الإجارة أو المرابحة بشرط تملك البنك البطاقات أولاً.
- وكالات التوزيع: جائز تسويقها بعمولة كوكالة بأجر.
- الخصومات: مباحة كترويج للخدمة.
مسائل متفرعة:
- التأخير من الشركة: يحق الفسخ واسترداد الأجرة.
- الإلغاء من الراكب: حسب الشروط أو العرف.
- التقسيط: جائز إن خلى من الربا. وخلاصة الرأي وصفوته أن
شراء بطاقة القطار مسبقة الشحن إجارة جائزة شرعًا، متى استوفت شروط الإجارة الفقهية ،ووضوح المنفعة، تحديد الأجرة، والقدرة على التسليم، مع خلوها من الغرر أو الربا. هذا القياس على إجارة الدواب والسفن وهنا تظهر مرونة الشريعة الغراء في مواكبة التطورات.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
المراجع
- ابن قدامة، المغني، دار الفكر.
- ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار.
- البهوتي، كشاف القناع.
- قرارات المجمع الفقهي الإسلامي.
- هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، المعيار الشرعي رقم 9.
- علي السالوس، حكم ودائع البنوك.
بقلم المحامي الشيخ عادل المالكي
