يوم التأسيس السعودي، الواقع في الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، نقطة تحول مفصلية في التاريخ السياسي لشبه الجزيرة العربية، فهو ليس مجرد استذكار لحدث عابر، بل هو استحضار لجذور الدولة السعودية الأولى التي وضع لبنتها الإمام محمد بن سعود في عام 1139هـ (1727م) بمدينة الدرعية، مما جعل منها كيانًا سياسيًا مركزيًا أنهى عقودًا من الانقسام والشتات والاضطراب الأمني، لتبدأ معها مرحلة تاريخية اتسمت بالوحدة وبناء مؤسسات الدولة القائمة على ركيزتي العقيدة الصافية والعدل الاجتماعي. إن السياق التاريخي الذي انبثق منه هذا التأسيس جاء استجابة لضرورة ملحة في قلب الجزيرة العربية، حيث كانت المنطقة تعاني من غياب السلطة المركزية، فاستطاع الإمام المؤسس عبر رؤية سياسية ثاقبة أن يحول الدرعية من مدينة-دولة محلية إلى عاصمة لدولة مترامية الأطراف، معتمدًا في ذلك على شرعية البيعة والالتزام بالثوابت الدينية والقيم العربية الأصيلة، وهو ما تؤكده المصادر التاريخية المعتبرة مثل “عنوان المجد في تاريخ نجد” لابن بشر، و”روضة الأفكار والأفهام” لابن غنام، حيث وثقت هذه المصادر الانتقال النوعي للمجتمع من حالة الفوضى إلى حالة الاستقرار تحت راية التوحيد. وتتجاوز الأبعاد الوطنية والاجتماعية لهذا اليوم حدود الاحتفاء الزمني لتلامس جوهر الهوية السعودية، فهو يعكس عمق الانتماء لأرضٍ صمدت في وجه التحديات الكبرى، ويجسد تلاحم القيادة والشعب الذي استمر لثلاثة قرون، مما عزز الشعور بالوحدة الوطنية وجعل من التاريخ مادة حية تلهم الأجيال الصاعدة معاني التضحية والبناء. ويهدف الاحتفاء بيوم التأسيس بالدرجة الأولى إلى ترسيخ الوعي التاريخي لدى المواطن، وربط الحاضر المزدهر بالماضي العريق، وتوضيح أن الدولة السعودية المعاصرة هي امتداد طبيعي لكيان راسخ الأركان، قامت أعمدته على العلم والسيادة والأمن، بعيدًا عن أي مؤثرات خارجية، مما يبرز تفرد التجربة السعودية في التأسيس والبقاء. إن كتابة التاريخ الوطني تتطلب الإنصاف في رصد مراحل القوة والرسوخ، ويوم التأسيس يمثل الشهادة الأكاديمية والواقعية على أن المملكة العربية السعودية هي دولة ذات عمق حضاري ضارب في القدم، استطاعت عبر قرونها الثلاثة أن تحافظ على ثوابتها السياسية والشرعية، مؤكدة للعالم أجمع أن استقرارها هو ثمرة لعهود وثيقة وتاريخ مُشرف كُتب بمداد من العزيمة واليقين، ليظل هذا اليوم رمزاً للكرامة والسيادة، ومنطلقاً متجدداً نحو مستقبل يفاخر بأصالة الماضي.
الكاتب عادل رشيد المالكي
