
في عالمٍ تُصنع النجومية تحت الأضواء، وتُقاس اللحظات بمنعطفات حاسمة، أصبحت بعض تصرفات اللاعبين داخل المستطيل الأخضر تتجاوز حدود المهارة إلى مساحات أكثر حساسية، فبين اندفاع الحماس وضغوط المنافسة تظهر أحياناً «حركات استفزازية» تشعل الأجواء وتحوّل مسار التركيز من الأداء إلى ردود الأفعال، وهذه المشاهد -وإنْ بدت عابرة- تحمل في طيّاتها دلالات أعمق عن طبيعة الصراع الرياضي وحدود الروح الرياضية، وتفتح الباب أمام تساؤلات مهمة حول أسبابها وتأثيرها في اللاعبين والجماهير والمباريات.
يقول الاستشاري النفسي المهتم بالشأن الرياضي الدكتور أحمد سعد لـ«عكاظ»: الملاعب الرياضية في السنوات الأخيرة باتت تشهد تزايداً ملحوظاً في الحركات الاستفزازية بين بعض اللاعبين، وهذه الظاهرة لم تعد مجرد تصرفات فردية عابرة، بل أصبحت سلوكاً يتكرر في عدد من المباريات، وخصوصاً الجماهيرية، وأسباب هذه الحركات متعددة تبدأ من الضغوط النفسية العالية التي يعيشها اللاعب داخل الملعب، مروراً بالرغبة في التأثير على تركيز المنافس وإخراجه من أجواء اللقاء، وصولاً إلى البحث عن لفت الأنظار وصناعة «لقطة» تنتشر في القنوات الفضائية وعبر الإعلام الرياضي ووسائل التواصل الاجتماعي، إذ إن بعض اللاعبين يعتقدون أن الاستفزاز جزء من «الحرب النفسية» المشروعة، بينما في الحقيقة قد يتحول إلى سلوك غير رياضي يسيء لصورة اللاعب وناديه.
عوامل مغذية
وبيّن أن التوتر اللحظي والشحن الإعلامي المسبق والاحتقان الجماهيري، كلها عوامل تغذي هذه التصرفات، إلى جانب غياب التوعية الكافية بثقافة اللعب النظيف، وللأسف بعض الأجهزة الفنية قد تغفل عن ضبط هذا الجانب السلوكي، مركزة فقط على الجوانب الفنية والبدنية، في حين أن الإعداد النفسي والتربوي لا يقل أهمية عن أي عنصر آخر في المنظومة الرياضية.
وفي ما يتعلق برد فعل اللاعب المستفَز يواصل الدكتور أحمد سعد: التفاعل بالمثل غالباً ما يكون ناتجاً عن اندفاع عاطفي وفقدان السيطرة على الانفعالات، خصوصاً في أجواء تنافسية مشحونة، واللاعب الذي يردّ بحركة استفزازية مقابلة يعتقد أنه يدافع عن كرامته أو عن فريقه، لكنه في الواقع يمنح الحكم مبرراً لتوقيع العقوبة عليه، وقد يضر بمصلحة فريقه في لحظة حاسمة، فالانضباط الذهني وضبط النفس من أهم سمات اللاعب المحترف، وتجاهل الاستفزاز أحياناً يكون أقسى رد ممكن.
وحول العقوبات التي تحددها الأنظمة الرياضية قال: اللوائح في معظم الاتحادات الرياضية، سواء على مستوى الـ«فيفا» أو الاتحادات القارية مثل الاتحاد الآسيوي لكرة القدم تنص على معاقبة السلوك غير الرياضي بالإنذارات أو الطرد المباشر، إضافة إلى إمكانية فرض غرامات مالية أو إيقافات لعدة مباريات عند تكرار المخالفة أو إذا تسببت في شجار جماعي، فالعقوبات لا تهدف إلى العقاب بقدر ما تهدف إلى حماية روح اللعبة والحفاظ على صورتها الحضارية.
المشهد منقسم
وحول رد فعل الجماهير أوضح الدكتور أحمد سعد أن المشهد منقسم بالفعل، فهناك فئة ترى في هذه الحركات نوعاً من «الحماس» أو الثقة الزائدة بالنفس، وتتعاطف مع لاعبها حتى لو أخطأ، خصوصاً إذا كان الاستفزاز موجهاً لمنافس تقليدي. في المقابل هناك شريحة واسعة ترفض هذه السلوكيات، معتبرة أنها تشوّه جمال اللعبة وتؤجِّج التعصُّب وتنعكس سلباً على سلوك الناشئين الذين يتخذون اللاعبين قدوة لهم.
ويختتم الدكتور أحمد سعد حديثه بقوله: الرياضة في جوهرها رسالة أخلاق قبل أن تكون نتيجة وأهدافاً، وعلى اللاعبين والإدارات والإعلام والجماهير العمل معاً لترسيخ ثقافة الاحترام داخل الملعب وخارجه، لأن لحظة استفزاز عابرة قد تتحول إلى أزمة كبيرة، بينما لقطة روح رياضية صادقة قد تبقى في الذاكرة سنوات طويلة.
