تابع قناة عكاظ على الواتساب
من غير المؤكد أن تنتهي قرارات جامعة الملك سعود إلى ما انتهت إليه من نقد وجدال وسجال أكاديمي وغير أكاديمي. فالقرارات التي اتخذتها جامعة الملك سعود بإلغاء أقسام وتخصصات إنسانية وزراعة وتغذية غير مسبوقة وصادمة ربما لكثير من الأوساط المعنية مباشرة أو غير مباشرة، وسيكون لها تداعيات على أكثر من صعيد.
التبريرات التي ساقتها الجامعة لا يزال يلفها الغموض، وإلا كيف نفهم الإبقاء على طب الأسنان في الجامعة مثلاً، الذي يتكدّس خريجوه دون عمل ودون بارقة أمل تلوح في الأفق لاستيعابهم؟
أخشى أن تنقل العدوى قرار جامعة الملك سعود ومتلازمة العلوم الإنسانية والكثير من التخصصات إلى بقية جامعاتنا، فيضمر الجسم الأكاديمي ويتضاءل معه رأس المال البشري الأكاديمي في وقت تتوثب فيه المملكة بمجتمعاتها المختلفة للعب دور نهضوي حضاري عالمي.
بعض إدارات جامعاتنا ستستثمر قرار جامعة الملك سعود وتتخذه ذريعةً لتحجيم الأهداف الكمية لجامعاتها فتقفل الكليات والأقسام والتخصصات الإنسانية وغير الإنسانية، خصوصاً أن جامعة الملك سعود تمثّل مرجعية للكثير من جامعاتنا، ولما لها من تأثير في الوسط الأكاديمي باعتبارها «أم الجامعات السعودية».
هناك جامعات ستستثمر قرار جامعة الملك سعود في تعزيز سياساتها التقشفية والتمادي في تحجيم دور الجامعة من خلال إقفال أو إلغاء كليات وأقسام وتخصصات وتقليص أعداد الطلبة المقبولين في الجامعة.
لقد تنبه مجلس الشورى في جلساته المخصصة لمراجعة تقارير الجامعات، فأصدر قرارات بشأن جامعة الجوف على سبيل المثال على مدى سنتين متتاليتين (سنة 2024 وسنة 2025) في هذا الشأن. ففي تغريدات للمجلس من حسابه على منصة إكس، طالب المجلس جامعة الجوف بمراجعة سياسات القبول للمتقدمين بما يدعم فرص أوسع للقبول على برامج البكالوريوس وإعادة هيكلة برامج الجامعة الأكاديمية والتوسع في طرح برامج نوعية بما يتوافق مع الميزة النسبية لمنطقة الجوف ومحافظاتها.
هل يمكن أن نتخيل أن جامعة في منطقة زراعية كمنطقة الجوف يقوم اقتصادها على الزراعة والاقتصاد الزراعي، لا يوجد فيها كلية أو قسم للزراعة أو الاقتصاد الزراعي أو التصنيع الغذائي والدوائي؟ هل يمكن أن نتخيل أن منطقة تزخر محافظاتها بعشرات المواقع الأثرية والنقوش الحجرية المختلفة والرسومات والكتابات لعدد من الحضارات، وموقع الشويحطية الذي يعتقد أنه أقدم استيطان بشري في الجزيرة العربية، ومع ذلك لا يوجد في الجامعة كلية أو قسم أو حتى قسم للآثار والسياحة؟ وهل يجوز لجامعة تقع في منطقة، فيها أكبر محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ومع ذلك لا يوجد في جامعة الجوف كلية أو قسم أو حتى مركز دراسات للطاقة؟
هنا يحق لنا أن نتساءل من الذي يقرر فتح الكليات والأقسام في جامعاتنا ويحدد نسب الطلبة والطالبات المقبولين؟ وما المعايير التي يتم الاستناد إليها في ذلك؟ لا بد من قواعد حوكمة قوية وقائمة على أسس لا تستطيع الإخلال بها إدارة جامعية أو تتفرد جامعة بقواعد يقدح فيها المدير من رأسه خاصة إذا كانت تجربته الإدارية فقيرة ويتيمة.
هناك الكثير من حالات الجامعات التي تستدعي وقفة جادة وتقييماً ولا يقتصر الأمر على قرارات جامعة الملك سعود أو الحالة الإدارية لجامعة الجوف، ومن هنا أدعو لإعادة تعريف وظيفة الجامعة وترسيخ هذا المفهوم أكاديمياً ومعرفياً واقتصادياً وحضارياً، وصولاً لمنهجية تضمن بلورة هوية أكاديمية اقتصادية ومعرفية لكل جامعة وتحديد مجتمع كل جامعة وأهمية ألا تنكفئ إدارة الجامعة عن الحد الأدنى لكل جامعة بحيث تكون محركاً للتنمية ومصنعاً للكفاءات ومنصة للابتكار وذراعاً اقتصادياً محلياً، وربما ربط كل جامعة بقطاع اقتصادي محدد وتحديد ما إذا كانت الجامعة تخدم منطقة جغرافية أو أنها تخدم على المستوى الوطني العام مثل ما تقوم به جامعاتنا العريقة.
مع التأكيد على الهوية الاقتصادية المعرفية الأكاديمية لكل جامعة، وأهمية إعادة هندسة التخصصات، قد تتطلب المرحلة حضوراً و دوراً أكبر للمجلس الأعلى للجامعات لفرض قواعد حوكمة دقيقة وشاملة لشروط وإجراءات فتح أو إقفال الكليات والأقسام والمراكز البحثية، ولتحديد خريطة التخصص لكل جامعة وتنسيق التخصصات والأقسام بين الجامعات حتى لا نجد جامعاتنا دون تخصصات إنسانية مثلاً، وحتى لا نجد كل أقسام الإعلام في جامعاتنا نسخاً مكررة في مساراتها ومقرراتها، كما قد يكون هناك دور حيوي كبير كذلك لهيئة تقويم التعليم والتدريب في قياس «الأثر» وليس «النشاط».
