تابع قناة عكاظ على الواتساب
لا يمكن فهم الحاضر إلّا بقراءة دروس الماضي، وفتح دفاتر التاريخ. ولا يمكن الحكم على الاضطراب الذي يضجُّ به الإقليم؛ جرّاء الحرب الإيرانية باعتباره تاريخاً راهناً يصعُب توصيف وقائعه، وتوثيقها؛ لأن وقائع اليوم «مفتوحة» عبر ما ترصده الشاشات، والمنصات، والمحللون، والخبراء، حتى غير العارفين يحاضرون بـ«رؤاهم»!.
غير أن هناك كثيرين تفوت عليهم قراءة حقائق جوهرية لا بد من ربطها لفهم ما يجري؛ لمحاولة استكشاف التأثيرات، وتوقُّع التبعات والمآلات. وتتصدّر تلك الحقائق ضرورة الإدراك بأن الواقع الراهن جاء نتيجة حدث فاصل، جرى في 7 أكتوبر 2023، إذ ترتّب على تلك الحادثة رسم سيناريو جديد لتنفيذ مشروع ملاحقة الأذرع الإقليمية لإيران، ومواجهة إيران نفسها في وقت تالٍ، لقطع رأس «الحيّة» التي تُحرّك هذا المشهد الدموي.
كان مكتوباً في الأفق أن ما حدث قبيل نهاية عام 2023 سيكتب النهاية المحتومة لإيران، بعدما ظلّت تمارس «اختراق أعشاش الدبابير» على مدى عقود؛ لخلخلة تماسك الدول العربية، وشعوبها.
أدى هجوم 7 أكتوبر إلى اندلاع أعنف حرب على غزة ومقتل قادتها. ولم تتوقف الحرب حتى بعدما أصبحت حركة حماس المستقوية بإيران عاجزةً عن السيطرة على غزة، وعن شنّ أي هجوم مناوئ! وما إن بات واضحاً أن حماس لم تعد قادرةً على العودة لحكم غزة، حتى انطلقت حملة للقضاء على التهديد الإيراني المتمثّل في حزب الله اللبناني، وهي حملة تطلّبت أن تهاجم إسرائيل «الحزب» حتى لو اقتضى الأمر احتلال جزء شاسع من جنوب لبنان. وتتالت الغارات على بيروت وضاحيتها الجنوبية وأرجاء لبنان. ويرى المراقبون لشؤون الأمن في المنطقة أن حزب الله اللبناني انكسر منذ قتل قياداته وعناصره في تفجير أجهزة الهاتف النقال التي يحملونها، ما عُرف بـ«معركة البياجر». وبلغ المشهد المأساوي ذروته باغتيال حسن نصرالله وأزلامه.
وامتدَّ مخطط تصفية الهيمنة الإيرانية ليصبح حرباً على اليمن، حيث تنفذ جماعة الحوثي تعليمات إيران لزعزعة أمن المنطقة، خصوصاً الملاحة التجارية في البحر الأحمر. وعمدت إيران إلى تطبيق خطتها القديمة بتحويل البحر الأحمر إلى ممرٍّ مائيٍّ يحترق باللهب؛ لإلحاق أكبر قدر من الضرر بالدول التي تستخدمه لنقل النفط الخام، والسلع الاستهلاكية والصناعية. وأدّى ذلك الإرهاب إلى إرغام دول العالم على العودة إلى الملاحة عبر رأس الرجاء الصالح، بما يكلّفها من نفقات مضاعفة في الوقود، والتأمين البحري.
وبعد ثلاث سنوات من حرب 2023 كان غباء ألّا تتصور إيران أن الدور آتٍ عليها. فقد كان استهدافها مكتوباً في الأفق منذ حرب الأيام الـ12 في يونيو 2025. لكنها لم ترتدع؛ ظناً منها أنها ستضرب الولايات المتحدة في مقتل، باستهداف دول الخليج العربية الحليفة تقليدياً للولايات المتحدة. وهو تقدير خاطئ امتدت تأثيراته المدمِّرة إلى سحق البنية الأساسية للشعب الإيراني، والقضاء على قيادات «الجمهورية الإسلامية»، من المرشد علي خامنئي، مروراً بقيادات الصف الأول والثاني، إلى مراكز الباسيج ومواقع الحرس الثوري، وليس انتهاءً بتدمير سلاحَي الجو والبحر الإيرانيين، أما المتبقون من القيادات الإيرانية فغالبيتهم «مختفون» في الملاجئ.
لم يعد نظام 1979 قادراً على الذود عن نفسه. وحتى المسيّرات والصواريخ الباليستية التي يطلقها باتجاه دول الخليج؛ لمحاولة إشعال حقولها النفطية، أضحى يموت ألف مرة وهو يراها صيداً سهلاً للدفاعات الجوية للبلدان الخليجية. ولا يمنع ذلك من القول إن ثمّة قادةً إيرانيين يرون أن التاريخ سيعيد نفسه، لينهضوا بأعباء إعادة الإعمار والعودة لأحلام الهيمنة والزعزعة، و«استعباط» العالم، وضرب نفط الخليج.
تبقى مطالب دول الخليج العربية واضحة وثابتة، إذ لا بد من ضمانات دولية لعدم مهاجمة دول المنطقة، ولا بد من فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية الدولية، ويجب أن تكون الأطراف الإقليمية حاضرةً في الاتفاقات بين واشنطن وطهران، وتصفية ما بقي من ظلال لإيران في بعض الدول العربية، ووضع حدٍّ للمخاوف من البرنامج النووي الإيراني.
وهي مناسبة للتنويه بالجهود الجبارة التي تبذلها قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز لتطوير قدرات القوات المسلحة السعودية وعتادها، وتعزيز تحالفات المملكة مع القوى العالمية الصديقة والحليفة، خصوصاً الولايات المتحدة.
وستبقى السعودية والدول الخليجية صامدةً في وجه الاعتداءات الإيرانية الغادرة، حتى وإن سعت إيران إلى إشعال المنطقة، إذ صعّدت أخيراً بشكل مفاجئ، وانتهكت وقف إطلاق النار بعدوان سافر بالصواريخ والمسيّرات على دولة الإمارات، الأمر الذي سارعت السعودية كعادتها إلى إدانته واستنكاره، وإعلان التضامن مع الإمارات في كل ما تتخذه من إجراءات، داعية إلى عدم التصعيد ودعم الوساطة الباكستانية، وصولاً إلى حل سياسي يجنّب المنطقة الانزلاق نحو المزيد من التوتر.
الأكيد، أن النظام الإيراني سيظل يكابر ويناور ويغامر، لكن مهما حاول التظاهر بأنه يملك الصواريخ والمسيّرات لمناوأة خصومه، فهي لا تعدو أن تكون «الرقصة الأخيرة» قبل الغرق، أو «رقصة المذبوح من شدة الألم».
وستتوقف بعد هذه «الرقصة»، كل مؤشرات «الهيمنة» والتدخلات وسياسة تصدير الثورة، ويبدأ بعدها نظام «قم» في مدِّ اليد الطولى لما يُسمّيه بـ«الشيطان الأكبر»، والدخول في مفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع واشنطن أثمرت وقف إطلاق النار، ثم التوصل إلى مذكرة اتفاق أوّلي قدّمتها واشنطن لطهران عبر الوسيط الباكستاني، ومن ثم باتت الكرة في الملعب الإيراني خصوصاً بعد استجابة الرئيس ترمب لطلب السعودية وباكستان ودول أخرى بتعليق عملية «مشروع الحرية» الهادف إلى تحرير «هرمز» بقوة السلاح والسيطرة عليه وإعادة حرية الملاحة الدولية لما كانت عليه قبل 28 فبراير الماضي، بانتظار رد طهران خلال الساعات القادمة.
