إن النشأة التاريخية للشركات الحديثة لم تكن وليدة عامل اقتصادي محض، بل هي حصيلة تفاعلات معقدة بين السياسة والاقتصاد والحروب والاستعمار، حيث ارتقى أصل الشركة إلى ما قبل القانون الروماني، إذ عرف البابليون نظام الشركات ونظمه قانون حمورابي، ثم جاءت البوادر الأولى في القانون الروماني الذي اعتبر الشركة عقداً رضائياً يقتصر أثره على أطرافه دون أن يرتب أثراً في مواجهة الغير، مع إلزام الشركاء بتقديم الحصص وتوزيع الأرباح وتحديد الغرض المشترك، كما ظهرت أنماط من الشركات الرومانية بعضها يقوم على التضامن في الأعمال المصرفية وبعضها يقارب فكرة التوصية من حيث قصر المسؤولية على حدود الحصة المقدمة، غير أن هذه الشركات لم تكن متمتعة بشخصية معنوية مستقلة ولم تشكل ذمة مالية خاصة بها، إلا أن روما عرفت شركات خاصة كـ sociétates publicanorum التي تولت جمع الضرائب والأشغال العامة وتوريد المؤن الحربية، وقد تميزت بوجود ممثل للشركة وبذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء، وهو ما شكل إرهاصات أولية للشخصية المعنوية. ومع النهضة التجارية في الجمهوريات الإيطالية في القرن الثاني عشر برزت شركات التضامن والتوصية البسيطة، فتم تكريس فكرة الذمة المالية المستقلة والشخصية المعنوية للشركة، وكان الإعلان عن قيام الشركة يتم بإيداع أسماء الشركاء والمدير في قنصلية التجار، وهو ما يعد نواة لنظام الشهر التجاري، كما انتقلت فكرة القرض البحري الذي عرف في القانون البحري باسم nauticum foenus إلى عقد التوصية (commenda) الذي اشتهر في العصور الوسطى وسمح بمشاركة أصحاب رؤوس الأموال مع التجار في الأرباح دون تحمل مسؤولية تتجاوز مقدار ما قدموه من مال، وهو العقد الذي اعترفت به الكنيسة رغم تحريمها للفوائد، لكونه ينطوي على مخاطرة حقيقية، وقد مثل هذا العقد وسيلة للنبلاء ورجال الكنيسة وغيرهم للتحايل على الحظر المفروض على ممارسة التجارة أو التعامل بالربا، فكانوا يقدمون الأموال على سبيل التوصية مقابل نصيب من الأرباح مع بقاء مسؤوليتهم محدودة. ومع تعدد الحروب وتفاقم الخسائر الاقتصادية والسياسية لجأت الدول الأوروبية إلى توظيف الاستعمار كأداة اقتصادية، فاستدعت الحاجة إلى جمع رؤوس الأموال الضخمة لاستثمار المستعمرات في الهند وأفريقيا والأمريكيتين، ومن هنا برزت الشركات المساهمة الكبرى التي مُنحت بفرمانات ملكية امتيازات واسعة تصل إلى مستوى الصلاحيات السيادية كتحصيل الضرائب وصك النقود وتكوين الجيوش، ومن أبرزها شركة الهند الشرقية الإنجليزية سنة 1600م وشركة الهند الشرقية الفرنسية سنة 1664م وشركة خليج هدسون وشركة الهند الجديدة سنة 1717م، وقد مثلت هذه الشركات كيانات أشبه بالدول داخل الدولة، وكان تأسيسها وإدارتها يخضعان لإرادة السلطة الملكية، مما جعلها أقرب إلى أنظمة القانون العام منها إلى مؤسسات القانون الخاص، ومع ذلك فإنها أرست الأساس لفكرة الشركة المساهمة القائمة على تجزئة رأس المال إلى أسهم قابلة للتداول. ومع الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر ازدادت الحاجة إلى رؤوس الأموال، فانتشرت الشركات المساهمة في مختلف الأنشطة الاقتصادية، إلا أن الثورة الفرنسية تعاملت مع هذه الشركات بريبة وأخضعتها لنظام الترخيص الحكومي، ثم جاء قانون التجارة الفرنسي لعام 1807 ليضع تنظيماً عاماً للشركات التجارية، محدداً أربعة أنواع رئيسية: شركة التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة التوصية بالأسهم والشركة المغفلة، مضيفاً إليها شركة المحاصة، وجاعلاً تأسيسها حراً باستثناء الشركة المغفلة التي استلزمت ترخيصاً مسبقاً، إلى أن صدر قانون 24 يوليو 1867 الذي ألغى نظام الترخيص المسبق وأقر مبدأ حرية تأسيس الشركات المساهمة، تعزيزاً للنظام الرأسمالي المتنامي. ومع مطلع القرن العشرين بدأت التشريعات الحديثة تضيق تدريجياً من نطاق الحرية المطلقة في إنشاء الشركات حماية للمدخرين وللاقتصاد الوطني، وظهرت شركات الاقتصاد المختلط التي يدخل فيها رأس المال العام إلى جانب رأس المال الخاص، ثم جاءت الحربان العالميتان لتسفر عن موجات واسعة من التأميم شملت قطاعات حيوية في أوروبا والصين وشرقها، فنشأت الشركات العامة المملوكة للدولة، وفي القطاعات الأخرى اتجهت التشريعات إلى إشراك العمال في الإدارة والأرباح وفرض الرقابة على التكتلات الاحتكارية، ثم شهد النصف الثاني من القرن العشرين تطورات تشريعية مهمة في معظم الدول الأوروبية كان من أبرزها قوانين الشركات الألماني لعام 1965 والفرنسي لعام 1966 والبريطاني لعام 1977 وغيرها، سعياً لمواءمة التطور الصناعي والاقتصادي، ومع قيام السوق الأوروبية المشتركة ظهرت الحاجة إلى توحيد القوانين الخاصة بالشركات، مما عزز فكرة أن الشركة الحديثة لم تنشأ من فراغ بل هي ثمرة قرون متراكمة من التجارب، اتسمت بتقلبات سياسية واقتصادية واستعمارية، وتكونت قواعدها وأنظمتها عبر التحول من العقود الرضائية المحدودة الأثر إلى الكيانات ذات الشخصية المعنوية المستقلة، لتتبلور أخيراً في شكل الشركات الحديثة بأنواعها المألوفة اليوم.
بقلم
المحامي عادل بن رشيد المالكي
