وثيقة المدينة المنورة: التأسيس الأول للمواطنة والوسطية وبناء الدولة الحضاريةلم تكن الهجرة النبوية الشريفة حدثًا عابرًا في سياق الدعوة الإسلامية، ولا مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل مثلت نقطة التحول الكبرى التي انتقلت فيها الرسالة الإسلامية من طور الدعوة إلى طور الدولة، ومن مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين وبناء الأمة. وقد سبقت هذه الهجرة مقدمات مدروسة وممهدات واعية، تمثلت في بيعتي العقبة الأولى والثانية، حين تعهد وجهاء أهل يثرب بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايته، كما سبقها إرسال الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه ليؤدي دورًا محوريًا في نشر الإسلام المعتدل وتعليم أهله وتهيئة البيئة الاجتماعية والفكرية لاستقبال الدولة القادمة.ولم يكن اختيار المدينة المنورة مقرًا للهجرة قرارًا ارتجاليًا أو اختيارًا عشوائيًا، بل جاء وفق تخطيط محكم ووحي رباني، إذ إن الهدف الاستراتيجي للهجرة كان بناء دولة جامعة وإنشاء أمة تحمل رسالة عالمية، وهذا المشروع الحضاري الكبير لم يكن ليتحقق في بيئة مكة المكرمة آنذاك بما كانت تعانيه من هيمنة طائفية وصراعاتها، كما لم يكن مناسبًا في الحبشة رغم عدالة ملكها، كونها دولة قائمة ذات نظام وسيادة، وهو ما كان سيجعل الدعوة الإسلامية خاضعة لقوانينها ومقيدة بإطارها السياسي، بما يحد من استقلاليتها وانتشارها.أما المدينة المنورة، فقد تميزت بكونها مجتمعًا متعدد الأعراق والقبائل والديانات، لا تخضع لسلطة مركزية واحدة، بل تحكمها زعامات قبلية متفرقة، وتعيش حالة من الانقسام التاريخي بين الأوس والخزرج، إضافة إلى وجود طوائف يهودية ذات نفوذ غذّت عوامل الفرقة عبر عقود طويلة. كما أن المدينة لم تكن ذات مركزية دينية أو ثقل اقتصادي أو سياسي كالذي كانت تحظى به مكة، مما جعلها بيئة مؤهلة لاستقبال مشروع الدولة الجديدة وبنائها من الصفر على أسس عادلة ومتوازنة. ويضاف إلى ذلك أن أهل المدينة، مسلمين ويهودًا، كانوا على علم من كتبهم السابقة بقرب بعثة نبي آخر الزمان، وكانوا ينتظرون ظهوره، الأمر الذي هيأ النفوس لتقبل هذا التحول التاريخي.ومنذ اللحظة الأولى لوصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، بدأ العمل على ترسيخ أركان الدولة، فكان أول ما قام به بناء المسجد، الذي لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل كان مؤسسة جامعة تؤسس للوحدة، وتلغي الفوارق الاجتماعية، وتربي المجتمع على الانضباط والطاعة والنظام، بما يعكس صورة الدولة المصغرة التي يجتمع أفرادها خلف قيادة واحدة. وبالتوازي مع ذلك، أرسى النبي صلى الله عليه وسلم نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فذابت الفوارق القبلية والاجتماعية، وتكون كيان بشري موحد يحمل همّ الدولة ويدافع عنها، إذ لا تقوم الدول إلا بمجتمع متماسك يشعر أفراده بالمسؤولية المشتركة والانتماء الواحد.وبعد بناء الإنسان والمجتمع، كان لا بد من إطار قانوني ينظم العلاقات ويحدد الحقوق والواجبات، فجاءت وثيقة المدينة المنورة، نبراساً والتي تعد في المفهوم المعاصر دستورًا متكاملًا لدولة ناشئة. وقد كُتبت هذه الوثيقة مع تأسيس الدولة نفسها، لتكون سابقة تاريخية في أن الدولة الإسلامية قامت منذ لحظتها الأولى على نظام قانوني واضح وهذا من الاعجاز التاريخي الإسلامي، بخلاف ما كان سائدًا في الأمم السابقة التي كانت تنشأ بلا دساتير مكتوبة، ثم تخضع لاحقًا لأعراف متغيرة وسلطات تقديرية مطلقة.وعلى خلاف التصور الشائع بأن الدولة التي يقودها نبي ستكون دولة دينية إقصائية، جاءت وثيقة المدينة لتقدم نموذجًا فريدًا للدولة المدنية الحضارية، القائمة على سيادة القانون، واحترام التعدد، وضمان الحقوق، وتحقيق العدل والمساواة، وإقرار حرية العقيدة. فقد ضمت هذه الدولة تحت لوائها العربي والعجمي، والمسلم وغير المسلم، فحفظت لليهود حقوقهم الدينية والمدنية، وأقرت مبدأ الوطن الواحد والمواطنة الجامعة، دون تمييز على أساس العرق أو اللون أو الانتماء القبلي ونبذ الغلو والتطرف والطائفية.وقد تميزت الوثيقة بطابعها العملي الواقعي، فكانت صالحة للتطبيق وليست مجرد نظريات مثالية، وحددت بوضوح ملامح الدولة السياسية ذات السيادة، من أرض وحدود وقيادة وشعب ونظام. وأشار ابن إسحاق إلى أن هذه الوثيقة اشتملت على ما يقارب سبعة وأربعين بندًا، نظمت العلاقات بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين غير المسلمين، وحددت مسؤوليات الدفاع المشترك، والتكافل الاجتماعي، والالتزام بالقانون، بما عزز مفهوم المواطنة والمسؤولية الجماعية.وكما عملت الوثيقة على إنهاء النزعات القبلية ومراكز القوى المتعددة، فأخضعت الجميع لمرجعية الدولة، دون أن تلغي الدور الاجتماعي الإيجابي للقبيلة، فجعلتها أداة تكافل وبناء لا وسيلة صراع وتفكيك. وأكدت على أن الانتماء للدولة مقدم على كل انتماء آخر، وأن المسؤولية الفردية هي الأساس في المحاسبة، فلا يؤخذ أحد بجريرة غيره، ولا تعود العصبيات الجاهلية التي كانت سببًا للحروب والفتن.ولم تغفل الوثيقة أهمية الأمن الداخلي والاستقرار المجتمعي، فوضعت من القواعد ما يردع الفتن والعدوان، ويمنع الظلم والفساد، وأقرت مبدأ الاحتكام إلى النظام العام للدولة في حال النزاع، ضمانًا لحفظ الدماء والأموال والأعراض، وترسيخًا لهيبة القانون. كما أكدت على مبدأ النصح والتشاور بين مكونات المجتمع وقيادته، بوصفه ركيزة من ركائز الحكم الرشيد والإدارة الحضارية.وبهذا كله، تمثل وثيقة المدينة المنورة واحدة من أعظم الوثائق السياسية والقانونية في تاريخ البشرية، ونموذجًا خالدًا لبناء الدول على أسس من العدالة والوسطية والمواطنة، ولو أن المجتمعات المعاصرة التي إنساقت خلف فتنة الربيع العربي أعادت قراءة هذه الوثيقة واستلهمت مبادئها في إدارة شؤونها، لأمكنها تجاوز كثير من أزماتها، وبناء دول قوية مستقرة، تستمد قوتها من القيم التي أرسى دعائمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي شهد له ربه بحسن القيادة، وشهد له التاريخ والإنسانية جميعًا بعظمة الإدارة والحكمة.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.بقلم المحامي/عادل رشيد المالكي

