
ثمة أناس يعيشون حالة توصف بـ«التعايش القسري بين نسختين من الذات»، ليست اضطراباً نفسياً، بل نمط حياة فرضته مجتمعات تُكافئ التكيّف أكثر مما تُقدِّر الانسجام الداخلي.هذا النمط لا يعيش الإنسان فيه بذات واحدة متماسكة، بل بوجهين ومنطقين متوازيين؛ نسخة تفكر وتؤمن بما تريد، وأخرى تتصرف وفق ما يُنتظر منها اجتماعياً.وهذا الانقسام لا ينشأ دائماً عن قهر مباشر، بل غالباً عن اختيارات تبدو واعية، لكنها محكومة بسياق ضاغط من التوقعات الاجتماعية والأدوار الأسرية والاعتبارات الاقتصادية، فيبدو القرار حراً في شكله، مقيَّداً في جوهره. هنا يولد التناقض؛ رضا ظاهري يقابله تعب داخلي، واقتناع مشوب باعتراض صامت.وهذا التعايش القسري ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية؛ في القرارات المؤجلة، والعلاقات المترددة، والإحساس بأن الحياة تسير «كما يجب» لا «كما نريد»، فيظهر الإنسان متماسكاً من الخارج، بينما يعيش داخلياً حالة تشظٍّ هادئ يصعب الاعتراف به، ومع الوقت تتحوَّل التبريرات (كالواقعية أو النضج) إلى أسلوب حياة، فتتقدَّم النسخة المتكيِّفة وتدير المشهد، بينما تصمت النسخة المعترضة دون أن تختفي.غير أن الصمت لا يعني السلام، بل يتجلَّى في إرهاق ذهني، وفقدان للحماسة، وإحساس بتشابه الأيام، وفي هذا السياق؛ تُفهم الوحدة والانطواء بوصفهما محاولة لاستعادة التماسك، لا رفضاً للآخرين، فالعزلة تصبح مساحة لا تتطلب تمثيلاً أو تبريراً.المشكلة ليست في وجود التناقض الداخلي، بل في إدارته بالصمت بدل الفهم، فالاعتراف بهذا الانقسام هو الخطوة الأولى لتحويله من صراع صامت إلى حوار داخلي صحي.. فأخطر ما في هذا النمط، ليس أن نكون شخصين، بل أن نُجبِر أحدهما على الاختفاء.ثم بعدها نتساءل عن «تعبٍ لا نعرف له مسمى».
انقسامُ ذاتٍ.. وجهان ومنطقان متوازيان – ن والقلم
Leave a comment
Leave a comment
