
في قلب شمال السودان، حيث كانت الرمال تُختصر في صورة صحراء قاحلة، يتشكل اليوم مشهد مختلف تمامًا. فصحراء بيوضة (تلك الرقعة الممتدة على نحو 100 ألف كيلومتر مربع) قد تكون بصدد إعادة تعريف موقع السودان على خريطة الاقتصاد العالمي. والحديث لم يعد عن الذهب. فالعالم تغيّر، والرهان تغيّر معه.
لأكثر من عقدين، كان الذهب هو ركيزة الاقتصاد التعديني السوداني. لكن مع التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة، أصبحت المعركة تدور حول معادن أخرى: كالليثيوم، والكوبالت، والعناصر الأرضية النادرة، وهي المكونات الأساسية لبطاريات السيارات الكهربائية، والهواتف الذكية، وأنظمة تخزين الطاقة.
وزير المعادن السوداني نور الدائم طه أعلن دخول البلاد رسميًا «عصر المعادن الإستراتيجية»، مؤكدًا أن السودان يمتلك مؤشرات جيولوجية قوية تؤهله ليكون لاعبًا في سباق عالمي محتدم. في رسالة واضحة مفادها بأن الذهب لم يعد أولوية مطلقة.
ولهذا كثفت وزارة المعادن السودانية عمليات المسح الجيولوجي، مستعينة بتقنيات الاستشعار عن بُعد لرصد مكامن الثروات المدفونة. فالهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية (التي وصفها الوزير بـ«القلب النابض لقطاع التعدين») تعمل على إعداد خريطة جيولوجية وجيوكيميائية شاملة، تمهيدًا لاستقطاب استثمارات نوعية. بعد أن أصبحت المعادلة هنا دقيقة: فإما استثمار علمي محسوب، أو إهدار لفرصة تاريخية.
وتقع صحراء بيوضة غرب نهر النيل، بين منطقة المناصير وصحراء النوبة، وتمتد حتى الدبة شمالًا. و45تحيط بها ثنية نهرية كبرى من ثلاث جهات، وتنقسم بوادي أبو دوم ووادي المقدم. وشرقها حقل بركاني، وغربها امتدادات رملية تتخللها نتوءات صخرية داكنة، في تركيبة جيولوجية تمنحها أهمية نادرة.
وتجعلها هذه المعطيات مرشحة للدخول في سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الإستراتيجية، في وقت يتصارع فيه العالم على تأمين مصادر الليثيوم والكوبالت بعيدًا عن الاحتكار الجغرافي التقليدي.
لكن بيوضة ليست مجرد رهان اقتصادي. ففي يونيو الماضي، أعلن باحثون بولنديون اكتشاف بحيرة مالحة قديمة استُخرج منها معدن النطرون، الذي يعتبر أحد أندر معادن كربونات الصوديوم، والمستخدم تاريخيًا في التحنيط وصناعة الزجاج. وأعاد الاكتشاف طرح تساؤلات حول شبكات التجارة القديمة بين السودان ومصر، خصوصًا مع وجود وادي النطرون المصري كمصدر تاريخي شهير للمعدن ذاته. وكشفت الأبحاث الأثرية كذلك عن أكثر من 1200 موقع أثري جديد، ما يؤكد أن بيوضة لم تكن يومًا أرضًا خالية، بل مسرحًا لحضارات عريقة.
ويمكن القول إن السودان اليوم أمام خيارين: إما أن يحوّل صحراء بيوضة إلى مركز إقليمي للمعادن الإستراتيجية والطاقة النظيفة، مستندًا إلى حوكمة علمية واستثمارات مدروسة، أو أن تبقى الرمال شاهدة على فرصة أخرى تضيع في سباق عالمي لا ينتظر أحدًا.
وفي عالم يتسابق على الليثيوم كما كان يتسابق على النفط، قد تكون بيوضة أكثر من مجرد صحراء، بل ورقة السودان الرابحة في اقتصاد المستقبل.
