
تابع قناة عكاظ على الواتساب
ذبُلت هيبة الاستغناء تحت سياط التباهي، واستُبدلت سكينة القناعة بأثقال الأقساط؛ فغدونا نقتني ما لا نحتاج، بما لا نملك، لنبدو أمام من لا يهمُّنا في صورة من لا نكون! إنه «نفقُ المديونية»؛ مهلكة الأعمار ومقبرة الاستقرار التي تستنزف جهد الحاضر وأمان المستقبل.
إنَّ المشهد يثير الأسى؛ حيث تحوَّل الاقتراض إلى «نمطِ حياة» يفتقد للمسؤولية. ولقد ذكر لي أحد الأصدقاء موقفاً يلخص هذا التفريط؛ حين أخبرني برغبته في شراء سيارة جديدة «راقت له» رغم جودة سيارته الحالية، والسبب أنه انتهى «للتو» من سداد آخر قسط لقرضه السابق! هكذا نرهن سنوات عُمرنا لالتزامات زائلة، مدفوعين بـاندفاعٍ لحظيٍ واستهلاك عشوائي، حتى بات الراتب ينفد قبل انقضاء الشهر، فنترقبه استباقاً بأحر من الجمر لمداواة هذا الهدر وسد العجز، ثم يتملكنا همُّ الدَّين فنصبح عرضة للأزمات النفسية نتيجة غياب التخطيط السليم.
ولا يتوقف النزيف عند حدود الكماليات، بل يمتد ليطال مواسم الطاعات؛ فها نحن قد دخلنا رمضان، الشهر الذي يفترض أن يكون مدرسة في الاقتصاد والتقلّلِ والزهد، فإذ بنا نشهد سباقاً محموماً نحو المغالاة في المشتريات، وازدحاماً في الأسواق لجلب المواد الغذائية بشتى أنواعها؛ لينسلخ الشهر من كونه «موسماً للصيام» ويتحوَّل إلى «مهرجانٍ للطعام»، وكأن صيام النهار لا يجبره إلا ترف موائد الليل المشتراة بالديون!
ولاستعادة الرشد المالي لابد من وقفة حازمة من خلال:
أولاً: إعلان «الاستقلال المالي» بكسر طوق الديون المتوالية.
ثانياً: ترسيخ «حسن التدبير» وفق موازنة تربط الرغبات بالدخل الحقيقي.
ثالثاً: محاربة «عدوى المظاهر» والتحرر من عقدة المسايرة الاجتماعية.
رابعاً: مواجهة النفس بـ«ميزان الأثر»؛ فكل ريال أُهدر في الإسراف هو جزء من رأس مالك يُسلب منك.
إنَّ المعركةَ اليوم ليست في كسب المال، بل في «صيانةِ كرامتنا» أمام طوفانِ المغريات. لقد حان الوقت لكي نتحرر من عقدة النقص التي يغذيها «هوس التفاخر»؛ فالحر من ملك شهوته، والأسير من كبَّلته رغبته، والعيش على «الكفافِ العزيز» خير وأبقى من بذخ تلاحقه مطالبات الدائنين.
