لا أكتب القصيدة وأنا أفكّر في صوتها.
تأتي أولًا على الورق، كما هي، بهدوئها وترددها، وأتركها دون محاولة اكتمال. أحيانًا أظن أن النص انتهى، ثم أكتشف أن هذه مجرد بدايته.
حين أُلقي القصيدة، يتغيّر إحساسي بها.
الصوت لا يشرح المعنى، لكنه يكشفه. نبرة بسيطة، أو صمت قصير، قد يغيّر الإحساس كله. وأحيانًا أسمع القصيدة وهي تُقال فأشعر أنها أقرب، وكأنها تعرّف نفسها من جديد.
بالنسبة لي، الإلقاء ليس أداءً ولا استعراضًا.
هو امتداد طبيعي لما كُتب. إن لم يكن الصوت صادقًا، يظهر ذلك فورًا، ولهذا أترك القصيدة تقود اللحظة، وأحاول فقط أن أكون حاضرة معها.
وأعترف أنني في كثير من الأحيان لا أفهم قصيدتي تمامًا إلا حين أقولها بصوتٍ مسموع.
ربما لأن بعض النصوص لا تحب أن تبقى صامتة طويلًا.
فالقصيدة، بالنسبة لي، لا تُعرَف كاملةً على الورق وحده،
بل حين تجد صوتها.
وحين تجد صوتها، تنكشف طبيعتها بوصفها حدثًا لا نصًا ثابتًا.
فالمعنى في الشعر ليس معطًى جاهزًا، بل تجربةٌ تتكوّن في لحظة التلقي، حيث يلتقي الصوت بالإنصات، والزمن بالذاكرة.
الكلمات على الصفحة تبدو مستقرة، لكنها في التلفّظ تستعيد حركتها الأولى؛
تتحول من علاماتٍ مرئية إلى طاقةٍ سمعية، ومن دلالةٍ محدودة إلى مجالٍ مفتوح من الاحتمالات. وهنا، لا يعود الصوت وسيطًا للمعنى، بل شرطًا لظهوره.
إن ما نسمّيه «فهمًا» للقصيدة ليس إدراكًا نهائيًا لها، بل اقترابًا متجدّدًا منها.
فالقصيدة لا تُستنفد في قراءة واحدة، ولا تُختزل في تفسير؛ لأنها، في جوهرها، بنيةٌ دلالية قابلة لإعادة التشكل مع كل صوت يمنحها زمنًا جديدًا.
وفي الصمت الذي يفصل بين الجمل، يتبدّى البعد الذي يتعذر قوله.
ذلك أن الشعر لا يعمل باللغة وحدها، بل بما يتخللها من فراغات؛ حيث يصبح المسكوت عنه جزءًا من البنية، لا نقصًا فيها.
من هنا، يبدو الإلقاء فعلَ كشفٍ لا إعادة.
فالنص المكتوب يقدّم إمكانه، أما الصوت فيحقّق هذا الإمكان، ويضع القصيدة في مجال التجربة الحيّة، حيث تتجاور الحساسية الفردية مع أفقٍ إنساني أوسع.
وكلما سُمعت القصيدة، أعادت تشكيل ذاتها، وأعادت تشكيل مستمعها معها.
ذلك أن الشعر، في أحد معانيه العميقة، ليس ما نقوله، بل ما يغيّرنا ونحن نقوله أو نصغي إليه.
⸻
ومع مرور الزمن، بدأت أدرك أن الصوت ليس مجرد أداة لظهور النص، بل لحظة وجوده الحقيقية.
فالقصيدة على الورق إمكانية، أما في الصوت فهي حدثٌ زمنيٌّ عابر، لا يمكن استعادته بالهيئة ذاتها مرة أخرى. إنها تحدث ثم تنقضي، لكنها تترك في الوعي أثرًا يتجاوز زمنها القصير.
وهذا العبور الزمني هو ما يمنح الشعر بعده الإنساني الأعمق؛
إذ يذكّرنا بأن كل ما يُقال يزول، وأن ما يبقى ليس اللفظ، بل الأثر الذي يترسّب في الداخل.
حين أسمع القصيدة بصوتي، أشعر أنني لا أستعيدها، بل أفقدها بطريقةٍ هادئة.
تغادرني الكلمات حالما تُقال، وكأن امتلاكها كان مؤقتًا، وكأن معناها لا يتحقق إلا بخروجها منّي.
وهنا يتبدّى التناقض الخفي:
نكتب لنحفظ المعنى،
ونقول لنحرره.
فاللغة، في الكتابة، تحفظ الأثر من الزوال،
لكن الصوت يعيده إلى هشاشته الأولى،
إلى طبيعته العابرة،
إلى صدقه الإنساني.
ربما لهذا يظل الشعر مرتبطًا بالنَّفَس؛
فهو لا يعيش في الحروف بقدر ما يعيش في الزفير الذي يحملها.
وكل قصيدة تُقال هي، في جوهرها، فعلُ زوالٍ صغير… يترك أثرًا لا يزول.
وعند هذه النقطة، لا تعود القصيدة موضوعًا للفهم، بل تجربة للوعي.
إنها لا تضيف معرفة جديدة بقدر ما تكشف هشاشتنا، وحدود لغتنا، وعمق ما نعجز عن قوله.
ولهذا لا تكتمل القصيدة في لحظة كتابتها،
ولا تنتهي في لحظة إلقائها،
بل تظلّ مفتوحة، مثل المعنى الإنساني نفسه:
يتحوّل، ويتسع، ويظلّ في طور التشكّل.
فما يُكتب يواجه الزمن،
وما يُقال يعبره،
أما ما يلامس الوعي في صمتٍ عميق…
فهو وحده الذي ينجو من الفناء.
بقلم / الكاتبه شادن السالم
