تابع قناة عكاظ على الواتساب
في زيورخ، حيث اعتادت كرة القدم أن توزع الحلوى والفرح والبهجة والقرارات على العالم، تستعد المدينة السويسرية الخميس 15 أكتوبر لاستقبال موقعة لا تشبه مباريات اللعبة، فلا مدرجات تصرخ، ولا صافرة حكم تعلن البداية، ولا كرة تتدحرج بين الأقدام. هناك، خلف الأبواب المغلقة، ستتدحرج مليارات الدولارات فوق طاولة مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم، ويجلس جياني إنفانتينو في مواجهة أسئلة ربما لم يتوقع أن تأتيه من رفاق الأمس.
إنها موقعة المال والسلطة، أو محاكمة سياسية بلا قاض، ومحاسبة مؤسسية لم تتحدد نتائجها، ومحاصرة لرئيس اعتاد أن يكون في مقدمة الصورة، فإذا بالصورة تضيق حوله. وبين الاتهام والدفاع يطل السؤال: هل إنفانتينو ظالم أم مظلوم؟
بدأت الحكاية في 28 يوليو الماضي، حين خرج مشروع فيفا فوروارد إنتربرايز (FFE) من مكاتب الاتحاد الدولي، حاملا فكرة الاستعانة بمستثمرين مقابل حصص في المصالح التجارية لبعض بطولات فيفا. قيل إن المشروع يفتح خزائن جديدة لتنمية كرة القدم، لكن الذين اعترضوا رأوا في تلك الخزائن أبوابا قد تفضي إلى بيع شيء من مستقبل اللعبة.
لم يعش المشروع طويلا. أربعة أيام كانت كافية لطي أوراقه، لكنها لم تكن كافية لإطفاء الحريق. فالخلاف لم يعد حول مشروع سحب من التداول، وإنما حول اليد التي كتبته، والعقول التي أجازته، والمجلس الذي يفترض أن يعلم قبل أن يعلم الآخرون.
في 18 سبتمبر، بعث ألكسندر تشيفيرين، رئيس الاتحاد الأوروبي، وفيكتور مونتالياني، رئيس الكونكاكاف، رسالة تطالب بمراجعة مستقلة لاحتياطيات فيفا، وتوزيع عشرة ملايين دولار إضافية على كل اتحاد من الاتحادات الوطنية البالغ عددها 211 اتحادا، أي ما مجموعه ملياران ومئة وعشرة ملايين دولار.
إنها أموال هائلة، لكنها في حسابات المطالبين ليست سوى جزء من احتياطيات يتوقعون أن تبلغ نحو ستة مليارات دولار بنهاية العام. وهم يقولون إن كرة القدم تستطيع أن تنفق على أبنائها دون أن تبيع شيئا من حقوقها للمستثمرين.
أما إنفانتينو، فلا يغلق باب التمويل، لكنه يطالب بحسابات مدققة وضمانات مالية وموافقات مؤسسية قبل الالتزام بالتوزيع. وهنا تصبح المسألة أعقد من خلاف بين رجل يريد الإنفاق وآخر يريد الادخار؛ إنها معركة بين رؤيتين لإدارة ثروة صنعتها اللعبة وجماهيرها.
وقبل موقعة الخميس، جاءت رسالة أخرى من تشيفيرين ومونتالياني، كشفت عنها الصحافة المتخصصة في 12 أكتوبر، لتعيد الحسابات إلى الطاولة وتطالب بإجابات حول مشروع (FFE). وكأن سحب المشروع لم يعد كافيا، فالمطلوب هذه المرة معرفة كيف ولد، ومن وقف خلفه، ولماذا وصل إلى تلك المرحلة قبل أن يختفي.
ثم دخلت النرويج على الخط، لا برسالة احتجاج عابرة، بل بطلبات فحص أمام لجنتي الأخلاقيات والحوكمة والتدقيق والامتثال في فيفا. وشملت الملفات المشروع الاستثماري ومسائل أخرى أثارت الجدل.
وهنا ينبغي ألا نخلط بين الشكوى والإدانة. فالاتهام ليس حكما، والاشتباه ليس جريمة مثبتة، ومجلس فيفا ليس محكمة جنائية. لكن مجرد انتقال الخلاف من المراسلات إلى الأجهزة الرقابية يكشف حجم الشرخ الذي أصاب جدران المؤسسة.
وفي المشهد الآسيوي، يحضر الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، رئيس الاتحاد الآسيوي، ضمن النقاشات المتعلقة بالتمويل والاحتياطيات. وهو حضور يمنح القضية امتدادا يتجاوز أوروبا والكونكاكاف، دون أن يعني بالضرورة قيام تحالف انتخابي موحد ضد إنفانتينو.
أما في برلين، فقد تجاوز الحديث حدود الأموال إلى أفكار لإعادة توزيع الصلاحيات داخل فيفا، والفصل بين القيادة السياسية والإدارة التنفيذية، وتعزيز استقلال الرقابة والأخلاقيات. وكأن المعترضين لا يريدون مراجعة دفتر الحسابات وحده، بل إعادة كتابة قواعد إدارة البيت كله.
ولأن كرة القدم لا تنسى صناديق الاقتراع، فإن انتخابات 2027 تقف في خلفية المشهد، حتى وإن أعلن تشيفيرين ومونتالياني اهتمامهما بمواصلة قيادة اتحاديهما. فالخلاف على الحوكمة شيء، والمنافسة على الرئاسة شيء آخر، وإن التقت المصالح أحيانا عند مفترق الطريق.
ويبقى السؤال: ماذا ينتظر إنفانتينو يوم الخميس؟
قد يناقش المجلس زيادة التمويل، وقد يطلب مراجعة مستقلة، وقد يحيل ملفات إلى جهاتها المختصة. لكن شيئا من ذلك لم يصبح قرارا بعد، ولن تكون العبرة بما يقال خلف الأبواب، بل بما يخرج منها إلى الاتحادات التي تنتظر الحقيقة قبل الأموال.
لقد توسعت مسابقات فيفا في عهد إنفانتينو، وتعاظمت إيراداتها وطموحاتها، وهذه حقائق لا يصح محوها بسبب خلاف سياسي أو إداري. لكن النجاح الاقتصادي لا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة، مثلما لا تمنح المعارضة أصحابها صك البراءة من الحسابات والأغراض والمصالح.
في النهاية، ليست المليارات ملكا لإنفانتينو ولا لتشيفيرين ولا لمونتالياني. إنها أموال كرة القدم، تلك اللعبة التي بدأت بأقدام حافية وانتهت إلى خزائن لا يعرف أصحاب الأحلام الصغيرة كيف اتسعت لكل هذه الأصفار.
ولعل المفارقة أن مشروعا أراد جلب أموال جديدة انتهى بفتح معركة على الأموال الموجودة، ثم تحول إلى سؤال أكبر من الجميع: من يملك القرار؟
أما إنفانتينو، أهو ظالم أم مظلوم؟ فلا تكفي الرسائل للإجابة، ولا تكفي الابتسامات أمام الكاميرات لنفي الشبهات.
في زيورخ قد لا يصدر حكم، لكن الخميس سيكشف من يطالب بالحساب، ومن يملك الإجابة، ومن يستطيع أن ينظر إلى كرة القدم دون أن يرى في خزائنها صورته وحده، وكيف تقفز المنظمة الدولية فوق كل خلافاتها.
