من منصة الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) تحدّث رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي مخاطباً النواب: «الهند تقف مع إسرائيل، بثبات، وبقناعة كاملة، في هذه اللحظة وما بعدها»، هناك العديد من الدلالات للحديث والزيارة التي تعد الثانية لمودي إلى إسرائيل بعد زيارة سبقتها في 2017 والذي يعد كسراً للإرث الدبلوماسي للهند بعدم زيارة إسرائيل من قبل المسؤول الأول حفاظاً على العلاقات مع العالم العربي، حيث يسكن في الخليج العربي وحده عشرة ملايين هندي.لكن اللافت في الزيارة أنها سبقت الحرب بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى بيومين، حيث كانت الزيارة يومي 25 و26 فبراير، وأول سؤال يتبارد إلى فضول الصحفي عن معرفة مودي بالمعركة أم أن نتنياهو أبقى السر قيد الكتمان، وحيث يتعذر معرفة ما دار في الغرف المغلقة، نجد أن البيان الهندي الصادر في 23 فبراير والذي رفعت على إثره الهند مستوى التحذير إلى الدرجة القصوى، مطالبة الرعايا الهنود بمغادرة إيران مباشرة وبكافة الوسائل المتاحة، وتبلغ الجالية الهندية في إيران حوالى عشرة آلاف.وبالتالي كانت الهند في أجواء المعركة وإن غاب عنها ساعة الصفر، وهذا ما يراه محللون في تفسير عبارة «نقف مع إسرائيل بثبات في هذه اللحظة وما بعدها»، وعليه أصبح المنهج التواصلي مبنياً على الحياد وشجب العنف دون الإشارة إلى المتسبّب به ودون إدانة أي طرف، واتصالات مع قادة الخليج والأردن، بالإضافة إلى منشورات باللغة العربية من حسابات رئيس الوزراء على منصة x.على كل حال منحت زيارة رئيس الوزراء الهندي لنتنياهو غطاءً سياسياً من أكبر ديموقراطية في العالم قبل المعركة، ومنحت الزيارة للهند تقنيات نادراً ما قدمتها إسرائيل لأطراف خارجية ومنها «الشعاع الحديدي»، وهي تقنية تختص بالليزر الدفاعي وهو نظام شغلته إسرائيل العام الماضي، ويعدّ طفرة في تقنيات التصدي للصواريخ والمسيّرات وقذائف الهاون، ويعالج مشكلة تقنية رئيسية وهي تكلفة الاعتراض منخفضة التكاليف.بالطبع الزيارة شملت العديد من الاتفاقيات ورسّخت الهند كشريك حقيقي لإسرائيل، ولو عدنا قليلاً لما قبل زيارة مودي بثلاثة أيام، نجد قطعة مهمة لفهم رقعة المشهد، وهي حديث نتنياهو في 22 فبراير عن «التحالف السداسي» (Hexagon)، وهو التحالف الذي يشمل الهند وإسرائيل ودولاً عربية وأفريقية وقبرص واليونان، وأضاف رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن هذا التحالف يستهدف التصدي للتيار الشيعي الراديكالي والتيار السنّي الذي يتشكّل.وبالتالي هناك سياق عام من التعاون بين الطرفين من آثاره حادثة «إيريس دينا» وهي فرقاطة إيرانية كانت في ضيافة البحرية الإيرانية، تم إغراقها من قبل القوات الأمريكية يوم 4 مارس بعد أن غادرت المياه الإقليمية الهندية بأميال، وهو ما اتهمت فيه أطراف إيرانية الهند بحسب صحف باكستانية مشيرة إلى مشاركة نيودلهي لإحداثيات الفرقاطة.قد يكون في الحسابات الهندية بعض التقدير لما يمكن أن تخسره مع إيران مثلاً، وهو تبادل تجاري غير كبير ولا يتجاوز المليار دولار، لكن بالطبع هناك عقد استثمار وتشغيل ميناء تشبهار الإيراني، مقارنة بتبادل تجاري بين الهند ودول الخليج يزيد على مئة وسبعين مليار دولار، لكن المعارك لا تتنبأ قبل أن تبدأ بمسار الأحداث ولا النهايات، وبالتالي كانت المفاجأة للهند من أمرين:الأول هو دخول مضيق هرمز كورقة مفاوضات، والأكثر مرارة تسنّم باكستان زمام الوساطة بين الطرفين، فالهند تستورد 85% من نفطها عبر مضيق هرمز، وباكستان عدو تاريخي، تشبه وساطته اليوم تسهيله لزيارة كسينجر للصين في 1971، فالوساطة، خاصة إذا ما نجحت، تمثّل إعادة تموضع لباكستان في علاقاتها مع الصين وأمريكا معاً، إضافة إلى ثقة من محيطها العربي والإسلامي.تعد الهند من الدول المؤسسة لمنظمة عدم الإنحياز في 1961، واستمرت خلال العقد الأخير في الخروج من هذه الإستراتيجية إلى ضرورة الإنحياز، اليوم اختارت تموضعاً معيناً سنرى أثره على المستوى السياسي والاقتصادي بعد أن يجف حبر المعركة.
