تابع قناة عكاظ على الواتساب
الزميل تركي العجمة، الذي عايشت بداياته كمقدم برنامج رياضي، يُعد أحد تلاميذ مدرسة الإعلامي القدير محمد تونسي، تلك المدرسة التي أنجبت خلال فترة رئاسته لقناة الإخبارية العديد من الكفاءات السعودية في مجالات العمل التلفزيوني المختلفة، ومنذ بداياته، لفت انتباهي كمذيع يمتلك موهبة واعدة، ما تزال آنذاك في أول الطريق وعلى بدايات سلم النجاح والشهرة.
-حرصتُ كثيراً على دعمه من خلال التجاوب مع اتصالاته واستضافاته، بعدما لمست فيه التزاماً مهنياً وأخلاقياً، وشخصية متزنة تعتز بنفسها، وهو ما جعلني «متفائلاً» بأن النجاح سيكون حليفه وأن أبواب الشهرة ستُفتح له على مصراعيها.
-ورغم هذا الإعجاب والتفاؤل، إلا أنني – بصراحة – لم أتفاجأ بانتهاء علاقته مع قناة روتانا خليجية، وذلك لأسباب عدة.
فالزميل أبو جود، وفي ظل منافسة شرسة مع قنوات وبرامج رياضية سعودية وخليجية استطاعت جذب المشاهد، ظل ثابتاً إلى حد كبير في آلية إعداد وتقديم برنامج «كورة»، وكذلك في طريقة اختيار الضيوف، على نمط متكرر منذ انطلاق البرنامج قبل أكثر من عشر سنوات.
-وحتى إن حدثت بعض التغييرات، فإنها بقيت محدودة للغاية، أقرب إلى التعديلات الشكلية التي تلفت الانتباه مؤقتاً ثم يزول تأثيرها سريعاً. هذه «الرتابة» تحولت مع الوقت إلى حالة من العمل الروتيني «الممل» للمشاهد، وربما قادت البرنامج إلى مرحلة من الاكتفاء الذاتي، انعكست أحياناً على طريقة إدارة الحوار والتعامل مع الضيوف من محللين ونقاد رياضيين، مع سعي دائم إلى تقديم صورة «مثالية» قد لا تكون مطلوبة دائماً، حتى في مفهوم الحياد نفسه الذي يظل قابلاً لاختلاف التفسيرات.
-وربما لم يكن من قبيل المصادفة أن يأتي قرار إنهاء العلاقة مع تركي العجمة بصورة سريعة ومتزامنة تقريباً مع أزمة الزميل ماجد التويجري، بعدما أثار ظهوره وخروجه عن النص المتعارف عليه في الطرح ردود فعل واسعة، الأمر الذي أوحى بأن إدارة القناة حسمت موقفها مبكراً، وفضّلت إنهاء المرحلة قبل نهاية الموسم بدلاً من انتظار توقيتها الطبيعي.
-أما السبب الآخر، وبعيداً عما سبق، فأعتقد أن مرحلة تركي العجمة داخل «روتانا الخليجية» وصلت بالفعل إلى نهايتها الطبيعية. وكما هو معروف، فإن مالك القناة الأمير الوليد بن طلال كان داعماً قوياً للعجمة، ومؤمناً بمهنيته رغم كل علامات الاستفهام التي كانت تُثار حول اختياره لمقدم برنامج يُعرف بميوله النصراوية، لكن الأمير، فيما يبدو، كان يضع ثقته الكاملة في مهنية أبو جود وقدرته على إدارة برنامجه بصورة متوازنة.
-ولعل العامل الأهم في هذه المرحلة يتمثل في رغبة الأمير الوليد بن طلال في إحداث نقلة مختلفة تتماشى مع التحولات الكبيرة التي يشهدها الوسط الرياضي السعودي، خاصة بعد ارتباطه الوثيق بالمشهد الهلالي الرياضي. ومن الطبيعي أن يبحث عن مشروع إعلامي أكثر تطوراً وتأثيراً، ربما من خلال برنامج يمتلك حضوراً جماهيرياً واسعاً وإمكانات أكبر.
-ومن هنا جاءت الأحاديث المتداولة حول إمكانية ارتباط الزميل وليد الفراج بالمشهد الجديد، رغم أنني أستبعد تماماً أن يتحول أي مشروع إعلامي يقوده إلى طرح أحادي الاتجاه، ولا شخصية المالك تقبل بهذه الأحادية، فخبرة أبو بدر المهنية لا تسمح له بأن يكون رهينة لميول نادٍ واحد، حتى وإن ظلت تهمة «الميول الهلالية» تلاحقه باستمرار، وهي تهمة لا تخصه وحده، بل أصبحت جزءاً من واقع الوسط الإعلامي الرياضي، حيث باتت الميول الكروية تؤثر بدرجات متفاوتة في الإعداد والتقديم واختيار الضيوف.
-في المقابل، أستبعد انتقال أبو بدر إلى «روتانا» أو حتى استمراره كمقدم برنامج، خصوصاً بعد حديثه مع الزميل عبدالله المديفر، والذي بدا لي أنه يتجه إلى خوض تجربة جديدة مرتبطة بالدوري السعودي عبر «قناة ثمانية»، ربما في إطار إداري وتطويري. وإذا صح ذلك، فأعتقد أنها خطوة موفقة للغاية، وقد تمثل نقلة نوعية للدوري السعودي إعلامياً، بشرط ضخ دماء جديدة والتخفيف من هيمنة الأسماء التقليدية التي سيطرت طويلاً على ملف النقل التلفزيوني الرياضي.
-وبالعودة إلى تركي العجمة، فإن العودة القوية – إن كان يفكر بها – تتطلب إعادة النظر في طريقة إعداد البرنامج، وآلية اختيار الضيوف، والتركيز على الأسماء «المتميزة» في التحليل والنقد الرياضي، أما تحويل بعض المراسلين إلى نقاد رياضيين، كما حدث مع الزميل ماجد التويجري، فأراه أمراً لم يخدم التجربة بالشكل المطلوب. فالتويجري كان ناجحاً ومميزاً كمراسل ميداني يمتلك الجرأة والقدرة على انتزاع التصريحات، لكن النقد والتحليل الرياضي يحتاجان إلى أدوات وخبرة مختلفة تماماً.
-عموماً يبقى تركي العجمة مقدم برامج ناجحاً يمتلك حضوراً خاصاً وكاريزما واضحة، وحتى إن انتهت مرحلته مع «روتانا الخليجية»، فإن المحطة القادمة يجب أن تأتي بفكر مختلف، إعداداً وتقديماً، بعيداً عن الصورة التقليدية التي اختزلت المشهد أحياناً في علاقة «الأستاذ والتلاميذ»، أكثر من كونها مساحة حوار رياضي متجدد ومتوازن ومثير.
