
تابع قناة عكاظ على الواتساب
– الأهلي ضرب مثالاً في الانبعاث من داخل الرماد.
– كرة القدم صانعة للمقولات والعبارات السيّارة.
– رئيس الأهلي أسقط فيه على الأندية السعودية.
تظل كرة القدم بعالمها الموازي منجماً خصباً لاستلال النماذج واكتشاف النظريات، وسكّ المقولات والمصطلحات، فهي بما تتيحه من بنية مكتملة العناصر في عالم مجازي بإزاء العالم الحقيقي، تمنح المتأمل في علاماتها السيميائية وسلوكياتها قدرة على صناعة النموذج واستنباط القاعدة وسكّ المصطلح الجديد.
وقبل فترة أنتج لنا التنافس الرياضي عدداً من المقولات، أبرزها الجحفلة التي نسبت للاعب الهلال محمد جحفلي، بعد تسجيله الهدف الهلالي في مرمى النصر في الدقيقة ١١٩، من عمر المباراة التي أقيمت على كأس خادم الحرمين الشريفين، ومع أن الهدف كان من لعبة تسلل وقع فيه الشلهوب العائد من موقع الركنية إلا أن احتسابه من قبل حكم المباراة وغياب تقنية الفار في تلك الفترة ساعد على إمضاء هذه المقولة وسيرورتها في الناس؛ فالمقولات السائرة حين تُطلَق لا ترتبط بمرجعيّة العدالة، وإنما بمرجعيّة الواقع، فما دام أن الأمر قد وقع فلا مناص من الاستعمال والسيرورة، وهكذا صارت الجحفلة مصطلحاً سيّاراً على ألسنة الرياضيين بمن فيهم النصراويون الذين استعملوا هذه العبارة في هدف برونو الشهير في المرمى الهلالي حين جحفل الهلال وانتزع منه الصدارة ثم حقق الدوري على إثر ذلك في عام ٢٠١٩.
وكأنّ النصر رد على الدقيقة ١١٩ برقم العام الميلادي ٢٠١٩، في ردّ مضاعف بالجحفلة ذاتها التي لم يستطع برونو أن ينتزع صياغتها لاسمه وإن طابق الحدث، لكنه ردّ الاعتبار بصدارة انتزعت بطولة الدوري.
ثم انتقلت الجحفلة من مجالها الرياضي إلى المجال التداولي العام فصارت عبارة تجري مجرى المثل، بحيث تطلق على كلّ أمر حدث في الوقت الفائض أو النزع الأخير من عمر الزمن.
وهكذا تظل كرة القدم صانعة للمقولات والعبارات السيّارة، والملاحظ أن النصر يحضر كثيراً في مثل هذه الصياغات، كارتباطه بعبارة متصدّر لا تكلّمني، والعبارة الشهيرة التي جرت مجرى المثل، النصر بمن حضر، التي أطلقها الرمز الراحل الأمير عبد الرحمن بن سعود، رحمه الله.
ومن النماذج الجديدة التي ابتكرتها لنا كرة القدم في المشهد المحلي، وهو نموذج صالح لمدرسة التحليل النفسي، نموذج عقدة يلو، في مقابل عقدة أوديب المستلّ من مسرحية شكسبير، فعقدة يلو يمكن استلالها من حكاية النادي الأهلي بعد الهبوط إلى الدرجة الأولى ثم عودته ثائراً على الصديق والعدو، على الحليف والمنافس، وهو نموذج نفسي له جانبان؛ جانب سلبي يحمل في باطنه ثورة الشك، وجانب إيجابي ولّد طاقة من التحدّي لهذا الفريق في مواجهة منافسيه من أجل ردّ الاعتبار.
في الجانب السلبي تبدو أعراض الحالة النفسية إقصائية للآخر، تستند على خطاب مأزوم وبحث عن إثبات الذات من خلال خلق عداوات غير مبررة، كما فعل لاعبو الأهلي مع النصر، وكما فعل رئيسه في تصريحه الذي أسقط فيه على الأندية السعودية التي حققت البطولة الآسيوية قبله بعقود طويلة، كما تمثلت في نسيانه تاريخ فريقه العريق والاقتصار على عمر الفريق ما بعد الصعود، سنتين فقط، بما يدلّ على أنه وقع تحت هيمنة الجانب السلبي من النموذج النفسي.
أما الجانب الإيجابي لهذا النموذج فيتمثّل في تحقيق الذات على نحو إيجابي، وذلك ما حدث في بطولة النخبة في نسختين متتاليتين وتحقيقهما عن جدارة واستحقاق، رغم أنها جاءت بعد دعم الصندوق ودعم الاتحاد الآسيوي والسعودي بإقامتها في ملعب الجوهرة في عقر دار النادي الأهلي.
لكن الأهلي تميّز في هذه البطولة ليس من الجانب الفني فحسب، بل وفي الحضور الجماهيري الهادر، فهذا عمل يستحق الإشادة والاحتفاء.
وبذلك ضرب الأهلي مثالاً رائعاً في الانبعاث من داخل الرماد، كما لو كان طائر الفينيق الإغريقي، حيث عاد من رحلة الهبوط إلى رحلة صعود مستمرة، صعود نحو المنصات القارية والعالمية، وهذا كله في ما يبدو في ردّ فعل إيجابي على فعل سلبيّ حدث له بعد الهبوط إلى دوري يلو.
كل ذلك يمكن إدراجه ضمن النموذج النفسي بشقّيه، تحت ما يسمّى عقدة يلو، في تشابه مع عقدة أوديب، في أن الطفل يسعى إلى قتل الأب من أجل تحقيق ذاته، وفي عقدة يلو يمكن تعميم النموذج على نحو يبدو فيه الشخص باحثاً عن ذاته في ردّ فعل عنيف ذي شقين: شق إيجابي يحقق به ذاته، وشق سلبي يتمرّد فيه على رفاق الدرب ويعلن القطيعة مع من حوله ليبقى هو سيّد نفسه ومالك أمره، يشكّك في إنجازات الآخرين ونجاحاتهم ولا يطمئن إلا إلى إنجازاته ونجاحاته وحده.
ذلك ما يمكن أن نفسّر به حالة النادي الأهلي بعد رحلة الهبوط والعودة، وتحقيق النخبة مرتين، ثم إعلان العداء السافر على المنافسين بمختلف ميولهم، وبمختلف مواقفهم، وعدم التمييز بين أصحاب المواقف، سواء كانت مواقف سلبية أو إيجابية، كما حدث للنصر معه حين جحده وأنكره وأعلن معه القطيعة بلا مبرر ولا سبب ظاهر.
يمكن قراءة رحلة الهبوط ضمن هذا النموذج النفسي في سياق الدلالة الرمزية لطائر الفينيق الذي تحكي أسطورته عن الانبعاث من الرماد والعودة من الموت مجدداً، وبذلك تتيح لنا رياضة كرة القدم التحليل النفسي والقراءة الرمزية وصناعة النموذج لاستلاله من عالم الرياضة إلى عالم الواقع، أو من سياق اللعب إلى سياق الجد، لتكتمل العلاقة بين الجدّ واللعب، وبين الحقيقة والمجاز، في استنباط المعاني وإنتاج النماذج النفسية والاجتماعية، بل وصياغة النظريات المعرفية وترحيلها من الهامش الرياضي إلى المتن الثقافي والعلمي.
أخيرا أرجو أن تُقرأ هذه المقالة في سياقها الثقافي والنفسي قبل كلّ شيء، بعيداً عن التراشق الرياضي، فهي قراءة تحليلية واصفة لا شأن لها بالمناكفات الرياضية، وما ورد فيها من تفاصيل ليس إلا لقراءة الخطاب الرياضي في سياقه وتحليله في ضوء النموذج النفسي المقترح، استثماراً لحدث رياضي مزدوج ومركّب، يجمع التنافس المحلي والقارّي في قَرنٍ واحد للخروج بتفسير حالة أو ظاهرة رياضية كانت لها تداعياتها في الوسط الرياضي.
