
القناعكان يقضي أيامه ثقيلة الظل في بيته الشَّعبي متآكل الجدران، بين بيوتٍ لا تقل عنه بؤساً في ضواحٍ شبه منسيّة. يقرع الجوع باب عياله بصمت لئيم. إلا أنه ما إن يفتح شاشة هاتفه. يبدأ بتقمص شخصية أخرى، شخصية تولد من ركام الأوهام في دماغه. كان ينفق آخر ما تملكه يداه المرتجفتان من قروش شحيحة، لا ليشتريَ بها قوتاً، بل ليقتني ساعة ذات بريق أخاذ، أو محفظة تحمل براند شركة عالمية، أو نظارة شمسية شبيهة بنظارات ممثلي هوليوود، ثم يلتقط لها صورة باذخةً ينشرها على مواقع التواصل. بالنسبة لمشاري، لم تكن تلك المظاهر ترفاً، بل ضرورة؛ كونها أقنعةً يداري بها عُري فاقته أمام مجتمعٍ لا يرحم. كان يرى في إعجاباتِ العابرين الغرباء على حساباته الرقمية؛ ترياقاً مؤقتاً ينجيه من هاجس فقره القاسي. ما إن يُطفئ الشاشة، حتى يرتدّ إليه بؤسه سافراً، نافثاً في وجهه غباراً من الزيف، ومخلفاً وراءه إنساناً مهزوماً يشتري الوهم ويبيعه في سوق تسخر من جيبه الخاوي.النوع الرابع من الشجاعةالناقد: اسمع يا صديقي، الناس ثلاثة أنواع تجاه ما تكتب: من يؤمنون بك، ومن يحتقرون عملك، ومن لا يكترثون إطلاقاً. هذا جزء من المواجهة. اكتب بصدق، وتحلَّ بالشجاعة لتقف وحيداً أمامهم جميعاً دون أن تهتز.- القاص: لكنك نسيت النوع الرابع.- الناقد: ما هو؟- القاص: من يشتري كتبك ليسند بها قوائم طاولة الطعام المهترئة القوام.- الناقد: هه! حسناً، على الأقل سينعمون بعشاء متزن، بفضل نصوصك الطلائعية. اشرب قهوتك، وعُد لكمبيوترك.- القاص: سأحرص ألا أكتب شيئاً يسدّ الشهية أو يقلب الطاولة!
نصان – ن والقلم
Leave a comment
Leave a comment
