تابع قناة عكاظ على الواتساب
لم يدخل الاقتصاد العالمي عام 2026 وهو مهيأ لأزمة كبرى. على العكس، كانت التوقّعات تميل إلى التفاؤل الحذر؛ نمو مستقر نسبيًا، تعافٍ تدريجي من اضطرابات سابقة، ومرونة واضحة في أداء القطاع الخاص، لكن هذا المسار لم يدم طويلًا. فجأة، أعادت الحرب تشكيل المشهد بالكامل كنقطة تحوّل كشفت هشاشة افتراضات استقرت لعقود.
التوصيف التقليدي لما حدث باعتباره «صدمة خارجية» لا يعكس عمق التغيير. حتى تحليلات صندوق النقد الدولي، رغم دقتها في توصيف الأثر، ما زالت تميل إلى التعامل مع الأزمة ضمن إطار اقتصادي مألوف، لكن الواقع يشير إلى تحوّل أعمق. الاقتصاد العالمي أصبح يتشكّل تحت ضغط الجغرافيا السياسية بعيداً عن الدورات الاقتصادية التقليدية.
خلال العقود الماضية، كان بالإمكان تفسير التقلبات الاقتصادية من خلال أدوات واضحة مثل الطلب، والعرض، والسياسة النقدية، والإنفاق الحكومي. اليوم، هذه الأدوات لم تعد كافية. على سبيل المثال أسعار الطاقة تجاوزت فكرة حجم الإنتاج أو الاستهلاك، لتصبح مرآة لمستوى المخاطر في الممرات الإستراتيجية، والتوترات الإقليمية، واحتمالات التعطّل. ومن هذا المنطلق، سلاسل الإمداد تجاوزت مسألة كفاءة تشغيلية، لتتشكل كعنصر في معادلة الأمن الوطني.
هنا تكمن المفارقة، السياسات الاقتصادية لم تتطوّر بالسرعة نفسها التي تغيّر بها الواقع. رفع أسعار الفائدة الأداة التقليدية المتعارف عليها لكبح التضخم تظل محدود التأثير عندما يكون التضخم مدفوعًا بعوامل جيوسياسية مثل اضطراب الإمدادات أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. في المقابل، التوسع في الإنفاق الحكومي لدعم النمو قد يؤدي إلى تغذية الضغوط التضخمية بدل تخفيفها. هذه المفارقة تضع صنّاع القرار أمام معادلة معقدة تتمثل في أدوات مألوفة في سياق لم تعد صالحة له بالكامل.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن الأزمات الكبرى تعيد دائمًا توزيع موازين القوة والحرب الحالية ليست استثناءً. الدول المصدّرة للطاقة تجد نفسها في موقع أقوى يتجاوز الجانب المالي، ليلامس الجانب الإستراتيجي أيضًا. في المقابل، تواجه الدول المستوردة ضغوطًا مركبة من حيث ارتفاع تكاليف الطاقة، وتآكل القوة الشرائية، وتحديات في ميزان المدفوعات. أما الأسواق الناشئة، فهي تقف في موقع أكثر هشاشة، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع محدودية أدوات الاستجابة.
في ظل هذا الواقع، يصبح الاعتماد على «التوقعات» التقليدية أقل جدوى. العالم يتحرك نحو منطق السيناريوهات، حيث تُبنى السياسات والاستراتيجيات على احتمالات متعددة. هذا التحوّل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن عدم اليقين تجذر كسمة دائمة في النظام الاقتصادي الجدي وهنا نحن أمام تحوّل في قواعد اللعبة كون الاقتصاد العالمي ينتقل من نموذج يقوم على الكفاءة والتكلفة إلى نموذج يضع المرونة والأمن في قلب أولوياته. العولمة نفسها لا تتراجع بقدر ما يعاد تشكيلها، لتصبح أكثر انتقائية، وأكثر ارتباطًا باعتبارات السيادة والاستقرار.
