تابع قناة عكاظ على الواتساب
– هل تذكرون كتاب (ذكريات طفل وديع)؟ ذلك الأثر الذي سطره الراحل عبدالعزيز الربيع، مدير تعليم المدينة المنورة الأسبق، والذي يُعد لوحة اجتماعية ترصد ملامح الحياة في المدينة خلال أوائل ومنتصف القرن العشرين. يصف الكتاب المظاهر الاجتماعية بدقة، وكيف كانت تسير الحياة اليومية ببساطتها وصعوباتها في آن واحد. رحل الربيع وبقي أثره وسيرته العطرة نبراساً للأجيال. وأنا على يقين أن الكثيرين يتذكرون هذا الكتاب جيداً؛ وحقيقةً، كان هو أول كتاب قرأته في حياتي حين لم يتجاوز عمري 12 عاماً.
– في تلك الحقبة، كان النادي الأدبي بالمدينة المنورة يمثل هرم الحراك الثقافي، وترأسه حينها المربي الفاضل عبدالعزيز الربيع -رحمه الله، كما ترأس أيضاً نادي الأنصار. لقد كان الربيع بمثابة «مدرسة متحركة» في مختلف الأنشطة الأدبية والفكرية والرياضية؛ يشرف بنفسه على المناشط المسرحية والشعرية، ويحرص على حضور الفعاليات التي كانت تُقام أثناء الدوام المدرسي أو في الفترة المسائية. آنذاك، تسابقت المدارس في تقديم أفضل ما لديها من برامج وإبراز للمواهب الإبداعية، حتى إن كثيراً منها حرصت على إنشاء مسارح رغم أن معظم المباني كانت «مستأجرة»، إلا أن ذلك لم يقف عائقاً أمام تدفق الإبداع وروح العطاء.
– يُعرف المجتمع المديني بآدابه وأخلاقه الرفيعة التي تعد أجمل صورة له، وهي صورة واقعية لا تحتاج إلى تجميل، بل هي واقع ملموس يعيشه كل من يزور «طيبة الطيبة»؛ فيلمس حسن الاستقبال وكرم الترحيب بضيوف الرحمن وزوار مدينة المصطفى ﷺ، وهذا الرقي في التعامل ليس غريباً على من أكرمهم الله بسكنى مدينته.
– خلال فترة التسعينيات التي عاصرتُها، كانت المدينة تعيش حراكاً ثقافياً متميزاً ضمن نسيج اجتماعي متماسك؛ حيث ظهرت «الإثنينيات» و«المنتديات» التي كانت تُنظم على مدار الأسبوع، لتناقش شتى القضايا الاجتماعية والثقافية والتعليمية بأسلوب راقٍ ومحبب.
– وما تشهده طيبة الطيبة اليوم من حراك ثقافي وأدبي يعيد إلينا تلك الذكريات الجميلة؛ فمبادرة (الشريك الأدبي) والأندية الثقافية تشهد طفرة نوعية في إقامة الأمسيات الإعلامية والأدبية والشعرية، التي تعبر عن المكنون الثقافي الثري للمدينة. إنه واقع جميل نعيشه اليوم مع هذا الحراك الذي تقوده نخبة من المثقفين والمهتمين، لتبقى المدينة المنورة دائماً منارة للعلم، ومنبعاً متجدداً للإبداع.
– والسؤال المطروح هنا: ما هي آلية اختيار الضيوف والمحاورين في (أمسيات المدينة)؟ إن من الأهمية بمكان تجنب المجاملات في اختيار المحاورين وعدم التكرار، ومنح الأولوية لأبناء وبنات المدينة المنورة، مع التركيز على استضافة الشخصيات التي تقدم معلومة حقيقية وإضافة نوعية للجمهور، وأن يتم توجيه الدعوات لأهل الاختصاص والمثقفين لضمان إثراء المحتوى. ختاماً، كل الشكر للقائمين على عودة هذا الحراك الثقافي المميز.
