
تابع قناة عكاظ على الواتساب
تشهد المنطقة العربية مرحلة دقيقة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الإقليمي، ومنها استهداف الأعيان في مدن المملكة العربية السعودية، وخاصة قصف المطارات وآخرها الجريمة الإرهابية للحوثي الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض بالصواريخ، ما نتج عنه وفاة 12 شخصاً و309 مصابين، والتي ترقى إلى جريمة إرهابية مكتملة الأركان تضاف إلى تهديد الممرات البحرية مما يعرض أمن الطاقة وسلامة الملاحة الدولية للخطر، وما يترتب عليها من مخاطر تتجاوز حدود الدول لتطال الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.
وتؤكد المملكة، في سياستها الثابتة، أن أمنها الوطني وسيادتها وسلامة أراضيها ليست محل مساومة، وأن مواجهة الاعتداءات العابرة للحدود تستند إلى حق أصيل تكفله القوانين والمواثيق الدولية، مع استمرارها في دعم أمن المنطقة واستقرارها، والدفع نحو الحلول السياسية التي تحفظ سيادة الدول وتمنع تحويل أراضيها إلى منصات تهديد لجيرانها.
وفي هذا السياق، يلفت النظر تزامن بعض التحركات والاتصالات الإقليمية مع تطورات أمنية لاحقة شهدتها المنطقة من تحركات ولقاءات سياسية وأمنية تناولت، من بين ملفات أخرى، أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.
ولا يعني التزامن الزمني، في حد ذاته، إثبات وجود علاقة مباشرة بين حدث وآخر؛ غير أن تتابع التطورات يفرض أسئلة مشروعة حول مصادر التهديد، ومسارات انتقال السلاح، وآليات التنسيق التي تسمح لجماعات إرهابية مسلحة بتنفيذ عمليات عابرة للحدود.
وهنا تبرز مسؤولية الدول في منع استخدام أراضيها أو أجوائها أو مرافقها منطلقاً لأي أعمال تستهدف دولاً أخرى، فاستقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق في ظل تعدد مراكز القرار الأمني، ولا يمكن حماية العلاقات بين الدول ما لم تكن الدولة وحدها صاحبة القرار في السلاح والحرب والسلم.
وتبقى مليشيات الحوثي الإرهابية المجرمة أبرز مصادر التهديد المرتبطة بهذا المشهد، بعدما ارتبط اسم الجماعة، على مدى أكثر من 10 سنوات، بهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت المملكة وأعياناً مدنية ومصالح اقتصادية، فضلاً عن تهديدها للملاحة الدولية في باب المندب والبحر الأحمر.
ويمكن قراءة هذا التصعيد من خلال ثلاثة مسارات رئيسية:
أولاً: تهديد المطارات المدنية في المملكة والمدن والأعيان والمقدسات الإسلامية والممرات البحرية وسلاسل الإمداد
إن استهداف الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لا يمثل مشكلة أمنية لدولة بعينها، بل يمس أحد أهم شرايين التجارة العالمية. فأمن الممرات البحرية يرتبط مباشرة باستقرار حركة التجارة وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، وأي تهديد مستمر لها يرفع كلفة النقل والتأمين ويضاعف المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي.
ثانياً: استهداف المنشآت والأعيان المدنية
إن استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد المدن والمنشآت المدنية والمنشآت الاقتصادية يضع حياة المدنيين وسلامة البنية التحتية تحت تهديد خطر مباشر، وهو أمر يتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين في أوقات النزاعات.
ثالثاً: المساس بحرمة الأماكن المقدسة
تبقى مكة المكرمة والمدينة المنورة في وجدان المسلمين فوق أي حسابات سياسية أو صراعات إقليمية. وأي استهداف لأمن مكة المكرمة أو تعريض زوار بيت الله الحرام للخطر يمثل تجاوزاً بالغ الخطورة، لا يستهدف المملكة وحدها، بل يمس مشاعر أكثر من مليار مسلم حول العالم.
ومن هنا، فإن حماية المقدسات الإسلامية مسؤولية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وتتطلب موقفاً واضحاً من المجتمع الدولي والدول الإسلامية تجاه أي تهديد يمكن أن يعرض الحجاج والمعتمرين والزوار للخطر.
ومن هذا المنطلق، فإن البيانات الرسمية التي تدين الاعتداءات تمثل خطوة مهمة، لكنها تصبح أكثر فاعلية عندما تقترن بإجراءات عملية تمنع تكرارها، وتغلق المسارات التي يمكن أن تستخدمها الجماعات المسلحة لتنفيذ اعتداءات على دول الجوار.
أمن المملكة.. حق سيادي ومسؤولية قانونية
لقد أكدت المملكة العربية السعودية مراراً أن حماية مواطنيها وأراضيها ومقدراتها مسؤولية لا يمكن التهاون فيها، وأنها في الوقت ذاته حريصة على الالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
والرسالة السعودية في هذا الشأن تتسم بالوضوح: المملكة لا تبحث عن التصعيد، لكنها لن تتعامل مع الاعتداءات على أمنها باعتبارها أمراً طبيعياً يمكن أن يستمر بلا نهاية.
إن استقرار الخليج والبحر الأحمر وأمن الطاقة والممرات التجارية منظومة واحدة، وأي خلل في أحد أجزائها ينعكس على بقية المنطقة والعالم. لذلك فإن معالجة مصادر التهديد تتطلب تعاوناً إقليمياً ودولياً يتجاوز ردود الفعل المؤقتة إلى معالجة الأسباب.
وفي المقابل، تواصل المملكة نهجها القائم على دعم الاستقرار والتنمية والشراكات الإقليمية، انطلاقاً من رؤية تعتبر الأمن شرطاً أساسياً للتنمية والازدهار.
وفي نهاية المطاف، فإن أمن المنطقة يتحقق بتجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة، وضمان حرية الملاحة، وحماية المدنيين والمقدسات.
إن المرحلة الراهنة تتطلب موقفاً مسؤولاً من جميع الأطراف: يحمي سيادة الدول، ويمنع تحويل أراضيها إلى منصات للتهديد، ويؤكد أن أمن المملكة وأمن دول المنطقة جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار النظام الإقليمي والدولي.
