
تتنافس منصات التواصل الاجتماعي اليوم على انتزاع انتباه المراهقين واستحواذ أكبر قدر من وقتهم، حتى لم تعد المسألة تقتصر على ساعات طويلة تقضى أمام الشاشات، بل تحوّلت إلى معركة صامتة على تشكيل الوعي والقيم والسلوك والصحة النفسية. وبين إشعار متواصل، ومقطع لا ينتهي، وخوارزمية تقرأ اهتمامات المستخدم وتوجّه خياراته، يجد كثير من المراهقين أنفسهم داخل عالم رقمي متسارع أصبح جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية ومؤثراً مباشراً في قراراتهم ومشاعرهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
تدق نتائج دراسة حديثة ناقوس الخطر بشأن العلاقة المتنامية بين المراهقين والمنصات الرقمية، بعدما كشفت مؤشرات تفرض التوقف والتأمل في طبيعة الاستخدام وآثاره النفسية والاجتماعية. فقد سجل 115 مراهقاً من أصل 330 استخداماً إشكالياً لوسائل التواصل الاجتماعي بنسبة بلغت 34.8%، فيما وصل متوسط الاستخدام اليومي إلى 5.8 ساعة، ما يعكس حجم الحضور الذي باتت تحتله هذه المنصات في حياة النشء. كما تصدّر «سناب شات» قائمة التطبيقات الأكثر استخداماً بنسبة 92.4%، تلاه «إنستغرام» بنسبة 87.6%، ثم «تيك توك» بنسبة 79.1%، فيما بلغت نسبة استخدام منصة «إكس» 65.5%.
الفتيات في الصدارة إشكالياً
لم تتوقف المؤشرات عند حدود كثافة الاستخدام، بل أظهرت تفاوتاً لافتاً بين الجنسين، إذ ارتفعت نسبة الاستخدام الإشكالي بين الفتيات إلى 41.9% مقابل 28.2% لدى الذكور، الأمر الذي يفتح باب التساؤلات حول العوامل النفسية والاجتماعية المرتبطة بهذه الفئة العمرية، ومدى تأثير البيئة الرقمية في أنماط السلوك والتفاعل والتقدير الذاتي لدى المراهقين.
وجاءت النتائج ضمن دراسة أعدها الباحث الدكتور خالد شحات، ونشرتها مجلة «فرونتيرز في الصحة العامة»، وشملت طلاباً وطالبات تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عاماً.
وكشفت الدراسة عن ارتباط الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بارتفاع أرجحية ظهور أعراض الاكتئاب المتوسطة إلى الشديدة بمقدار 3.18 مرات، والقلق بمقدار 2.90 مرة، والضغط النفسي بمقدار 2.64 مرة.كما أظهرت أن انخفاض مستوى الثقافة الصحية الرقمية يرفع أرجحية الاستخدام الإشكالي بمقدار 2.79 مرة، فيما ترتفع هذه الأرجحية إلى 2.38 مرة لدى من يستخدمون المنصات لمدة ست ساعات يومياً أو أكثر.
تعزيز آليات التحقق العمري
يفرض هذا الواقع المتسارع مشهداً أكثر تعقيداً تتداخل فيه أدوار الأسرة والمدرسة والجهات الصحية وشركات التقنية، في ظل تزايد تأثير المجتمعات الافتراضية والمؤثرين على تشكيل اهتمامات المراهقين وقيمهم وتصوراتهم فبينما يرى مختصون أن بعض وظائف التنشئة الاجتماعية بدأت تنتقل تدريجياً من محيطها التقليدي إلى الفضاء الرقمي، يؤكد آخرون، أن التحدي لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في كيفية استخدامها ومدى امتلاك النشء للوعي والمهارات التي تمكنهم من التعامل معها بصورة متوازنة وآمنة.
وفي المقابل، تتصاعد المطالبات بمسؤولية أكبر من شركات التقنية لتطوير أدوات حماية أكثر فاعلية، وتعزيز آليات التحقق العمري والخصوصية الرقمية، والحد من الممارسات والخوارزميات التي تدفع المستخدمين، خصوصاً صغار السن، إلى قضاء فترات أطول داخل التطبيقات. كما تتزايد الدعوات إلى إدراج الثقافة الصحية الرقمية في المناهج التعليمية، وتعزيز برامج التوعية والكشف المبكر عن الضغوط النفسية المرتبطة بالاستخدام المفرط للمنصات.
استغلال وابتزاز وتنمر
من زاوية قانونية، ترى المتخصصة القانونية هيا السليمان في حديثها لـ«عكاظ» أن التعامل مع القضية لا ينبغي أن يقتصر على الرقابة الأسرية فقط، بل يجب أن يشمل حقوق الطفل الرقمية والمسؤوليات النظامية الواقعة على عاتق المنصات والشركات التقنية.
وتقول: إن حماية المراهق لا تتوقف عند الرقابة الأسرية، فهناك التزامات نظامية تتعلق بمعالجة البيانات الشخصية، ومنع الاستغلال والابتزاز والتنمر الإلكتروني، وتوفير وسائل فعالة للإبلاغ عن الانتهاكات.
وتشير إلى أن الأنظمة ذات العلاقة، مثل نظام حماية الطفل، ونظام حماية البيانات الشخصية، ونظام مكافحة جرائم المعلوماتية، تشكل أطراً مهماً لتعزيز سلامة القاصرين في البيئة الرقمية، مؤكدة في الوقت ذاته ضرورة التمييز بين الاستخدام المفرط باعتباره سلوكاً يحتاج إلى توعية ومعالجة، وبين الأفعال الرقمية التي تشكل مخالفات أو جرائم تستوجب المساءلة القانونية.
وتدعو السليمان، إلى تطوير وسائل أكثر دقة للتحقق من الأعمار، ورفع مستوى الشفافية في سياسات الخصوصية، وتبسيط إجراءات الإبلاغ عن الانتهاكات والشكاوى، بما يحقق التوازن بين حماية الأطفال والمراهقين وضمان حقوقهم في الخصوصية.
الخطورة في الإعجابات لا الساعات!
ويضع استشاري علم الاجتماع عبدالله البقعاوي، القضية في سياق التحولات الاجتماعية التي فرضها العصر الرقمي، مشيراً إلى أن التأثير لم يعد محصوراً في الوقت الذي يقضيه المراهق أمام الشاشة، بل امتد إلى أدوار كانت تؤديها الأسرة والمدرسة لعقود طويلة. ويرى أن جزءاً من وظائف التنشئة الاجتماعية بات ينتقل تدريجياً إلى جماعات افتراضية تتشكل حول المؤثرين وصناع المحتوى، إذ يجد المراهق نفسه منتمياً إلى مجتمعات رقمية تؤثر في أفكاره وسلوكياته وتوجهاته.
ويقول البقعاوي لـ«عكاظ»: إن الخطورة لا تكمن في عدد ساعات الاستخدام وحده، وإنما في تحول الإعجابات والمشاهدات إلى معايير للتقدير الاجتماعي، وانتقال المرجعية القيمية من الأسرة إلى مجتمعات رقمية عابرة للحدود. فعندما يصبح المؤثر مرجعاً لسلوك المراهق، تتعرض منظومة التنشئة التقليدية للمنافسة
البقعاوي، يؤكد أن مواجهة هذه التحولات لا تبدأ بمنع التقنية أو شيطنتها، وإنما عبر استعادة دور الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى للحوار والتوجيه وبناء الثقة، إلى جانب تعزيز ارتباط المراهق بالمجتمعات الواقعية والأنشطة الاجتماعية المباشرة. كما يحذر من أن الأساليب القائمة على المصادرة والعقاب قد تفضي إلى نتائج عكسية، من خلال إضعاف الثقة بين الأبناء وذويهم ودفع المراهقين إلى إنشاء مساحات رقمية خفية بعيداً عن أعين الأسرة.
هروب من القلق والضغوط
أخصائي علم النفس ماجد الطريفي، يفسر العلاقة التي كشفتها الدراسة بين الاستخدام الإشكالي للمنصات الرقمية والاضطرابات النفسية من منظور التنظيم الانفعالي، موضحاً لـ«عكاظ»: أن وسائل التواصل قد تتحول لدى بعض المراهقين إلى وسيلة للهروب من الضغوط والمشاعر السلبية أكثر من كونها مجرد أداة للتواصل أو الترفيه.
ويقول: «قد يلجأ المراهق إلى المنصات للهروب من القلق والوحدة والضغوط، ثم يدخل في دائرة من التعزيز السلوكي المتكرر، خصوصاً مع الإشعارات والمكافآت الرقمية والمقارنة الاجتماعية».
ويضيف أن ما يعرف بـ«الخوف من فوات الأحداث» يمثل أحد العوامل التي تعزز الارتباط المفرط بالمنصات، إذ يشعر المراهق بالحاجة إلى المتابعة المستمرة خوفاً من فقدان حدث أو معلومة أو تفاعل اجتماعي. ويرى أن من المهم التفريق بين الاستخدام المكثف والاستخدام المرضي، فليس كل مراهق يقضي ساعات طويلة على المنصات يعاني بالضرورة اضطراباً نفسياً.ويشير الطريفي، إلى أن هناك مؤشرات تستوجب الانتباه والتقييم المهني، من أبرزها اضطرابات النوم، والتراجع الأكاديمي، والعزلة الاجتماعية، وصعوبة السيطرة على وقت الاستخدام رغم المحاولات المتكررة. ويؤكد أن العلاج لا يقتصر على خفض ساعات الاستخدام، بل يبدأ بفهم الدوافع النفسية الكامنة خلف هذا السلوك، والعمل على تعزيز مهارات التنظيم الانفعالي وضبط الذات وبناء البدائل الصحية.
كيف تجذب الخوارزميات الانتباه؟
في الجانب التقني، يوضح الأكاديمي المتخصص في الذكاء الاصطناعي الدكتور مشاري العازمي لـ«عكاظ» أن خوارزميات التوصية أصبحت جزءاً أساسياً من تجربة المستخدم داخل المنصات الرقمية، إذ تعمل باستمرار على تحليل أنماط السلوك والتفاعل لتقديم محتوى يتوافق مع اهتمامات المستخدم ويزيد من مدة بقائه داخل التطبيق.
ويقول: تعمل خوارزميات التوصية على توقع المحتوى الأكثر قدرة على جذب المستخدم، اعتماداً على مدة المشاهدة والتفاعل والاهتمامات السابقة، وقد تؤدي خصائص التمرير المستمر والتشغيل التلقائي إلى إطالة جلسات الاستخدام.
ويشدد العازمي، على أن الدراسة لم تختبر مباشرة أثر الخوارزميات في الاستخدام الإشكالي، وبالتالي فإن تحميلها المسؤولية كاملة يحتاج إلى أدلة وتجارب علمية إضافية. إلا أنه يؤكد أهمية تبني مبدأ «السلامة منذ التصميم» في تطوير التطبيقات الرقمية، عبر توفير أدوات تمنح المستخدمين وأسرهم قدرة أكبر على التحكم في الإشعارات والتوصيات ووقت الشاشة، إلى جانب تطبيق معايير حماية عمرية تراعي خصوصية الأطفال والمراهقين.
الخلاصة مسؤولية تتجاوز حدود الأسرة
بعيداً عن تحميل المسؤولية لطرف واحد، تكشف نتائج الدراسة لهذا التحقيق، أن التعامل مع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي يتطلب مقاربة شاملة تتقاسمها الأسرة والمدرسة والقطاع الصحي والجهات التنظيمية وشركات التقنية. فتعزيز الثقافة الصحية الرقمية، والكشف المبكر عن الضغوط والاضطرابات النفسية، وتطوير أدوات حماية تتناسب مع الفئات العمرية المختلفة، لم تعد خيارات إضافية بقدر ما أصبحت متطلبات أساسية في عالم يتزايد فيه الحضور الرقمي يوماً بعد آخر.
وفي ظل عالم تتنافس فيه الأسرة والمدرسة والمؤثرون والخوارزميات على جذب انتباه المراهق وتشكيل وعيه، يبقى السؤال الذي تطرحه الدراسة ويثيره هذا التحقيق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: من يتحكم في وقت المراهق ؟ أسرته، أم إرادته، أم الخوارزمية.
الثقة أهم من التفتيش
من واقع التجربة الأسرية، يرى شهيل عبدالله السبر وهو أحد الآباء، أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في مراقبة كل ما يفعله الأبناء داخل أجهزتهم، بل في بناء رقابة ذاتية نابعة من القناعة والثقة.ويقول: التحدي الحقيقي أن نربي أبناءنا على الرقابة الذاتية، بدل تحويل المنزل إلى بيئة تفتيش ومصادرة نحتاج اتفاقاً أسرياً واضحاً يحدد أوقات الاستخدام، ويشارك الأبناء في وضع قواعده
ويضيف أن المنع الكامل أو الحرمان المطلق من التقنية قد يوسع الفجوة بين الآباء والأبناء، في حين يمنح الحوار المستمر والتواصل المفتوح فرصة لاكتشاف المشكلات مبكراً والتعامل معها قبل تفاقمها.
يزاحم النوم والواجبات
يربط ولي الأمر طلال الحربي، خطورة الاستخدام الإشكالي بمدى تأثيره على المسؤوليات اليومية والالتزامات الأساسية للمراهق. ويقول: عندما يبدأ الهاتف بمزاحمة النوم والواجبات المدرسية والرياضة، تصبح المشكلة قابلة للملاحظة. المطلوب تنظيم الوقت وقياس أثر الاستخدام على الأداء الدراسي، لا الاكتفاء بعد الساعات.
ويؤكد أن الحكم على طبيعة الاستخدام يجب أن يستند إلى نتائجه وانعكاساته العملية، مطالباً بتعاون أكبر بين الأسرة والمدرسة لتقديم برامج متخصصة في التربية الرقمية، وتشجيع الأنشطة الرياضية والاجتماعية والثقافية بوصفها بدائل واقعية تسهم في تحقيق التوازن، إضافة إلى وضع ضوابط تقلل من استخدام الأجهزة الإلكترونية خلال الساعات التي تسبق النوم.
لا تجعلوا العقاب هو الحل
تسلط نجلاء التميمي الضوء على جانب آخر من القضية يرتبط بالضغوط النفسية الناتجة عن المقارنات الاجتماعية والصور المثالية التي تروج لها المنصات الرقمية.
وتقول: «يحتاج المراهق إلى أمٍّ تسمعه قبل أن تحاسبه، خصوصاً عند تعرّضه للتنمر أو الرسائل المزعجة. والخوف من مصادرة الهاتف قد يدفعه إلى إخفاء المشكلة حتى تتفاقم».
وترى أن بناء الثقة بين الأسرة والأبناء يمثل خط الدفاع الأول أمام المخاطر الرقمية، مؤكدة أهمية توعية المراهقين بآليات حماية الصور والبيانات الشخصية، وتعزيز وعيهم بالفارق بين الواقع الحقيقي والصورة المثالية المصطنعة التي يتم تسويقها عبر المنصات الاجتماعية.
