تابع قناة عكاظ على الواتساب
حين تصبح المدرسة خياراً لا ضرورة، تتكشّف أزمة الحضور المدرسي بوصفها واحدة من أكثر التحديات التربوية تعقيداً، لا لأنها مرتبطة بانضباط الطالب فقط، بل لأنها تعكس خللاً عميقاً في فلسفة التعليم وممارساته.
لم تعد المسألة في عدد الغياب بقدر ما أصبحت في سؤال أكثر إلحاحاً: لماذا لم يعد الطالب يشعر بالحاجة إلى الحضور أصلاً؟
على مدى سنوات، اجتهدت الإدارات التعليمية في إطلاق المبادرات، وتنظيم الفعاليات، وتقديم الحوافز، ومع ذلك بقي الغياب يتسلل بهدوء، بل ويتصاعد أحياناً، ما يعني أن المشكلة لا تكمن في قلة البرامج، ولكن في طبيعة التجربة التعليمية ذاتها!
الطالب اليوم لا يغيب لأنه مهمل بالضرورة، يغيب لأنه لا يرى فرقاً حقيقياً بين أن يكون في الصف أو خارجه، وحين تصبح الحصة مجرد إعادة لما هو مكتوب في الكتاب، أو شرحاً يمكن تعويضه بسهولة عبر أي وسيلة، فإن الغياب لا يُشعره بالخسارة، فقد يبدو له خياراً منطقياً.
الأخطر من ذلك أن كثيراً من الطلاب يغيبون دون أن يشعروا بتراكم واجبات أو ضغط معرفي أو حتى قلق من الاختبارات، وكأن النظام التعليمي نفسه لم يعد يبني تدرجاً حقيقياً يجعل الحضور ضرورة لا بديل لها. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل تراجع الإحساس بالمسؤولية لدى بعض الأسر، إذ لم يعد غياب الابن يثير القلق ذاته كما كان في السابق، حيث أصبح يُمرر أحياناً بسهولة، أو يُبرر بذرائع مختلفة، مما يُضعف أي محاولة مدرسية لبناء الانضباط.
المفارقة اللافتة أن الطلاب قبل عامين تقريباً انضبطوا بشكل كبير بسبب خبر غير مؤكد عن إحالة ولي الأمر للنيابة العامة ولحقوق الطفل في حال تكرار الغياب، وهو ما يكشف أن الأنظمة ليست غائبة، بل هيبتها هي التي تراجعت، وأن الطالب وولي الأمر يستجيبان حين يشعران بجدية التطبيق لا بمجرد وجود النص.
وحتى القرارات الأخيرة التي تربط الغياب بالرسوب، فإن أثرها يظل مرهوناً بمدى وضوحها وتطبيقها الفعلي، لا بمجرد الإعلان عنها.
وفي قلب هذه المعادلة يقف المعلم، ليس بوصفه سبباً مباشراً للأزمة، ولكن بوصفه عنصراً حاسماً في إعادة تشكيل قيمة الحصة، فحين تكون الحصة تقليدية، بلا تفاعل أو تحدٍ أو ارتباط بحياة الطالب، فإنها تفقد قدرتها على الجذب، أما حين تتحول إلى تجربة تعليمية حقيقية، فإن الطالب يشعر أن غيابه خسارة فعلية لا يمكن تعويضها بسهولة.
من هنا يتضح أن التعويل على الفعاليات والمغريات وحدها لا يمكن أن يكون حلاً مستداماً، فهي قد تنجح في جذب الطالب ليوم أو أسبوع، لكنها لا تبني دافعاً داخلياً دائماً، لأن القضية في جوهرها ليست في تحفيز الحضور، إنما في جعل الحضور ذا قيمة.
وفي ظل هذا الواقع، يبرز تساؤل لا ينبغي تأجيله: هل ما زال الحضور اليومي التقليدي هو الخيار الأمثل لجميع الطلاب؟ أم أننا بحاجة إلى الاعتراف بأن نموذج «مقاس واحد للجميع» لم يعد صالحاً في زمن تتسارع الفروق الفردية وتتنوع أنماط التعلم؟
الواقع يشير إلى أن بعض الطلاب لا يتفاعل مع الإيقاع المدرسي التقليدي، ليس ضعفاً، إنما اختلاف. وهنا تبرز الحاجة إلى مسارات تعليمية أكثر مرونة داخل المنظومة المدرسية، تتيح للطالب أن يتعلم وفق نمط يتناسب مع قدراته، مع الحفاظ على معايير واضحة للتقييم والانضباط.
إن الاستمرار في فرض نمط موحد قد يُنتج حضوراً شكلياً دون أثر حقيقي، بينما فتح مسارات مرنة مبتكرة ومنظمة قد يعيد تعريف جودة التعلم، ويوجه الجهد التربوي نحو تحقيق نتائج فعلية بدل الاكتفاء بمؤشرات شكلية للحضور والانضباط.
وقد يكون من المجدي التفكير في نماذج مرنة (مثل يوم أو يومين عن بعد)، لكن بشرط أن تكون الأيام الحضورية عالية القيمة، لا تقليدية.
إن استعادة الحضور المدرسي لا يمكن أن تتحقق عبر التشديد وحده، ولا عبر الترفيه وحده، يتم ذلك عبر إعادة بناء التجربة التعليمية بحيث يصبح الغياب خسارة حقيقية يشعر بها الطالب، ويصبح الحضور استثماراً يومياً في ذاته، وعندها فقط يمكن أن تعود للمدرسة هيبتها، لا بوصفها مكاناً يُلزم الطالب بالحضور، ولكن بوصفها بيئة لا يستطيع الاستغناء عنها.
